لا تشتكي

 بسم الله الرحمن الرحيم

كتاب (لا تشتكي).

تأليف العبد الفقير إلى الله تعالى
علي أرشيد فلاح الموالي الحميدان السردي
""""""""""""""""""""""""""""""""

باب وسواس الوضوء والصلاة .



وسواس النظافة يجعل المصاب بهذه الحالة يبقى قريب من الحمام فهو يلازمه الشك في صحة وضوئه ويعاود الوضوء مرات ومرات ويشك في نظافة بدنه وانه ما زال على طهارته أم انه قد خرج منه شيئ, وفي بعض الحالات يكون هناك سلس البول أو الريح أو البرودة فيكون الخلط بينها وكلها أحوال نفسية يكون قد مر بها الإنسان ولم يعالجها فتراكمت حتى أنها ولدت هذا الوسواس, رغم إن سلس البول لا يكون عادة مرتبط بالحالة النفسية بل يكون له أسباب أخرى, وعلينا أن نتوقف هنا:
أولا علينا ان نحدد اسم الحالة لكي نعرف كيف التعامل معها, أما أن ينظر الى المصاب بان لديه مجموعة من الحالات فهذا غير دقيق!
الثانية - أن نتعامل مع الحالة بعلم وان تعرض الحالة على الطبيب المختص دون خجل ولا الإحساس بالعيب وكتم الموضوع خوف من الفضيحة ومن كلام الناس فهذا يعتبر تفكير غير سليم فهذه الحالات تصيب الغالبية من الناس تقريبا وقليل ما يستثنى منها احد فهي نتائج لأوضاع أو قلق أو شعور بالمسؤولية,
نذكر على سبيل المثال الطلاب عند اقتراب الامتحانات يصابوا بحالات توتر شديد وخوف من الفشل أو من غضب الأهل أو من نظرة المجتمع فتولد عندهم حالات من التوتر مثل الإسهال أو سلس البول أو كثرة التبول أو عدم النوم أو التقيؤ وكل هذه الأعراض تزول بزوال السبب فلا يحكم على هؤلاء الناس بأنهم مرضى وليس هناك لا جريمة ولا فضيحة بل هي أمور طبيعية.

من الاخطاء الشائعة في التعامل مع وسواس الوضوء بان يتم تشخيصه والتعامل معه بالمعنى الظاهر وهو أن يقال إن هذا الشخص لديه حالة وسواس الوضوء أو حالة وسواس الصلاة وهذا كلام غير صحيح ولا دقيق في التفسير, فالأصل فيها هو الحالة النفسية ومع الوقت ترتب عليها وسواس الوضوء فإذا قلنا إن رجل معه وسواس الوضوء هل هذا يعني انه لديه وسواس الوضوء فقط وباقي الأمور اليومية لا يعاني من أي وسواس؟
المصاب بوسواس الوضوء مصاب بحالة وسواس عامة ولكنها تظهر واضحة ومركزة عند الوضوء!
يحاول البعض أن يربطها بالشيطان الذي يعمل على تشكيك المصاب لكي يبعده عن الصلاة أو انه شخص مثالي مبالغ في النظافة كما حلّله البعض الأخر وهذا أيضا كلام غير سليم وحين يتم علاج الإنسان من الوسواس تنتهي مشكلة الإنسان مع ما يسمى وسواس الوضوء.

لفهم الحالة نسال سؤال بسيط للمصاب هل هناك من يقوم بالتفتيش على الوضوء أو الصلاة حتى يحدد لنا ما إذا كان الوضوء سليما أو ناقصا فان كان ناقصا فهل على المصاب أن يعيد وضوءه؟
طبعا الإجابة أن الإنسان يعيش في حالة مراقبة وتفكير فيحاول قرينه أن يولد له الشك ويكبر ويهول الأمور لكي يسيطر عليه وهذا ما نسميه باب الاختراق إلى شخصية الإنسان والنتيجة هي أن لا ينعم هذا الإنسان في صلاته ولا يتقن عمله ولا يهنئ له بال!

من يحكم على صحة الصلاة؟ ولماذا الظن بان هذه الصلاة مرفوضة وإنها غير مقبولة وهي التي تعتبر العمل الظاهر والله يأخذ بالسرائر ويعلم أحوال الناس وابتلاءاتهم فلا يطالبهم بالمثالية المطلقة ولا يقوم بالتفتيش عليهم والله سبحانه وتعالى اكبر من أن يوصل الإنسان إلى درجة الوسواس بطلب الكمال منه وهو يعلم ضعف هذا الإنسان المخلوق الذي خلقه وهو بني وخلق على النقص والكمال لله وحده.

الشخص المصاب بهذه الحالة يعتقد إن الناس يراقبونه حين يدخل إلى الحمام فتراه يختار أوقات لا يكون فيها الناس قريبين من الحمام وتراه يبحث عن وقت لا يحتاج الناس فيه إلى الحمام خشية أن يطرق عليه احد الباب وإنهم قد يحكمون عليه بأنه قد تأخر في الحمام وانه يسرف في الماء وهذه كلها مخيلات شيطانية ليس لها علاقة بالواقع فالناس ليس لديهم وقت لهذه الأفكار ولا يعيشون ليراقبوا بعضهم بعض ولا ليحكموا على الآخرين بأحوالهم فكل لديه ما يشغله.

من أراد التخلص من الوسواس عليه أن يقوم بتجارب صغيرة وسريعة ولا يعطي مهلة لعقله الباطن أن يحلل له الأمور ويحكم على المسائل وذلك:
اولا: - العمل بالسرعة الفائقة والانتقال بسرعة من الوضوء إلى الصلاة ولا يتمهل ولا يقف على الباب للتنشيف أو التحجج بأي سبب بل ينتقل بفكره مباشرة إلى الفكرة الثانية وبسرعة دون التفكير العميق بل يشغل فكره بأمر أخر واقرب!
مثال على ذلك: المصابين بالوسواس والذي ينعكس على طعامهم حين يفكرون بالطعام كثيرا وأي نوع من أنواع الطعام يفضل أن يأكل؟ ويبقى يفكر حتى يقرر في النهاية بعدم الأكل ويؤجل الوجبة إلى ما بعد ويبقى هكذا حتى يشعر بالجوع الحاد ليأكل بضع لقيمات يصبر بها أمعائه وهكذا يعيش حتى يهزل عوده!

الطريقة الثانية: - أن تخالف تفكيرك, يعني ان تعمل بعكس ما تفكر, على سبيل المثال تسير في الشارع وتفكر هل تذهب يمينا أم شمالا؟
فكر في الشمال واذهب إلى اليمين.
أمامك طبق من الفواكه انظر إليه وقرر ما تشتهيه نفسك!
قررت أن تأكل برتقالة!
مد يدك على الطبق وخذ تفاحة!
بهذه الطريقة سوف تتحرر من قيود العقل الباطن وأوامره وجميع البرمجيات التي فرضها حتى في النهاية يستسلم ولا يعرف كيف يتعامل معك.

إذن نحن أمام ثلاثة طرق سهلة نلخصها: -
الأولى: السرعة في الانتقال والتقرير في المسائل دون تفكير عميق ولا تركيز ولا تحليل.
الثانية: مخالفة العقل الباطن في ما يقرر ومما تشتهي النفس من الطعام والشراب وهنا نقصد التجارب الشخصية البسيطة وليس مع الأهل, وكذلك في اختيار الألوان للملابس وموديل الحذاء وغيرها من الأمور التي تشعر انك منقاد لها وان هناك من يقرر عنك او يفرض عليك رأيه.
الثالثة: - حين يدخل وقت الصلاة يبدأ التفكير في الصلاة وسوف نحتاج إلى وضوء فنقرر أن نتوضأ أولا ولكن قل في نفسك (أني لن أنصلي ألان ولكن أريد أن أتوضأ فقط حتى أبقى على طهارة وسوف نصلي من بعد وفقط سوف نتوضأ حتى نكون مستعدين), عليك بالتفكير هكذا كأنك تداعب عقلك الباطن ونفسك بأنك سوف تصلي من بعد وليس ألان ولكن علينا أن نكون على الوضوء لكي نكون جاهزين حين نقرر الصلاة, هذا مجرد حديث نفس, وبعد الوضوء اخرج كأنك لا تريد الصلاة وبسرعة أقم الصلاة وقف على سجادة الصلاة وقبل أن تكبر تكبيرة الإحرام فكر انك سوف تصلي الفرض ومن بعد تصلي النوافل,
- عندما تدخل في الصلاة, وأنت في الصلاة يأتيك التفكير بأي سورة صغيرة بعد الفاتحة سوف تقرأ, تجد أن في مخيلتك بعض السور القصيرة من القرآن الكريم فقرر واحدة من تلك السور في فكرك واقرأ بواحدة أخرى أي خالف ما قررت إن تقرأ ولا تنسى أن تستحضر عظمة ربك وما نقول هذا إلا للمصاب بالوسواس ونعرف ما هي قيمة الخشوع لان المصاب بالوسواس مؤكد انه فقد الخشوع بعذر بسبب هذه الحالة.
وللتذكير إن مسألة الخشوع هي حكم الله وحده على الصلاة وليس البشر ولا هناك مراقبين من البشر فالأمر يتعلق بالملائكة وليس غيرهم يطلع بإذن الله على خشوع الإنسان وعلينا أن نقرأ ما يقول العلماء والصحابة الكرام عن أنفسهم في مسالة الخشوع فمنهم من كان يقول والله أني كنت أجهز جيش في الصلاة.

ولو استعمل المصاب هذه الطريقة ونظر إلى طبق من الفواكه بصمت دون تفكير في أي منها سوف يأكل ويأخذ تفاحة ويبدأ في أكلها يكون أغلق باب التفكير والتحليل والاستشارة وهذه أفضل طريقة للسيطرة على العقل الباطن ومباغتة الوسواس فلا يترك فاصل زمني للنيل من تفكير وطريقة تعامله مع المصاب فتضيع تلك البرمجة العقلية الذاتية وتتشتت حتى يفقد السيطرة على المصاب ويعود الإنسان للسيطرة على نفسه!

التفكير الايجابي بترديد الكلمات الايجابية مثل:
- أكلت وكان الطعام جيد,
- صليت والحمد لله وارتاحت نفسي بالصلاة في وقتها,
- البحث عن الكلمات الايجابية لترديدها في أوقاتها وتوثيقها بالأعمال لترافقها فتكون متطابقة بالتفكير الايجابي.
التفكير بعمق في المسائل هو أكثر ما يجعلها مهمة وذكرنا أمثلة منها المثالية أو زيادة المسؤولية أو الفهم الخاطئ للأشياء وذلك بتقييمها بأكبر ما ينبغي: -
الصلاة مثلا هل قيمتها تتطلب مشروع كامل والتعامل معها بأنها ذات قيمة مقدسة ولذلك ينبغي أن نعظمها ونتعامل معها بمنتهى الحرص والانضباط؟
مقدسة نعم! بشرط أن نعطيها حقها والتعامل معها على أنها عمل فيه الخير والصلاح للإنسان وليس بإضاعتها في التفكير أثناء الصلاة بأنها مقبولة أم لا وفيها تحليلين: -
- أولها- أنها تتطلب الخشوع والانقياد وحضور العقل والقلب والنظر إليها بأنها ايجابية وفوائدها اكبر في حالة أقامتها بشروطها ولا أن يغلب على الإنسان التفكير في صحتها أو عدم صحتها فهذا يعني إضاعة الصلاة بالتفكير في صحتها وكم من الصحابة والعلماء يعترفون بأنهم يصعب عليهم حضور القلب الكامل دون أن يسرحوا أثناء الصلاة ولا يخطر ببالهم أشياء خارجة عن الصلاة.
- ثانية- الغالبية تتأثر بأحوال الدنيا وتهيمن عليهم أفكار كثيرة حتى أثناء الصلاة ولكن لا يعاقبون أنفسهم ولا يعيدون صلاتهم بل يستغفرون ربهم فهم يعرفون صعوبة الأمر ولا ينظرون لأنفسهم بأنهم مذنبين وينظرون إلى رحمة ربهم التي وسعت كل شيء فكيف لا تسعهم بأخطائهم وذنوبهم.

وهنا وجب علينا أن ندخل إلى باب الطهارة حتى نفهمه بالعلم وما القصد منه وما هو مفهوم الطهارة وليس بالتعقيد والمشقة فديننا دين رحمة وعذر لصاحب العذر وتسهيل وتيسير للأمور والغسلِ من الجنابة باب يوضح الأصل فيها فمن عم الماء بدنه أو استحم بالنهر أو البحر أو بالماء الكثير الذي لا تغلب عليه كمية الماء التي ترفع الجنابة حصلت له الطهارة إذا أتى بركنيها التي لا تصح إلا بهما، وهما النية لقوله صلى الله عليه وسلم:
- إنما الأعمالُ بالنيات متفقٌ عليه.
- والركن الثاني هو تعميمُ البدن بالماء لقوله تعالى: وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا (النساء 43).
ومن عم الماء بدنه بدون نية فلا تصح طهارته, ومن توضأ قبل الغسل وبدأ بغسل الرأس ثلاثا وبدأ بالشق الأيمن فذلك من السنة وكان خيرا.
قال أبو القاسم الخرقي في مختصره: مسألة: قال: وإن غسل مرة، وعم بالماء رأسه وجسده، ولم يتوضأ، أجزأه، بعد أن يتمضمض ويستنشق وينوي به الغسل والوضوء، وكان تاركا للاختيار.
وعن ابن عبد البر قوله: المغتسل من الجنابة إذا لم يتوضأ وعم جميع جسده، فقد أدى ما عليه ; لأن الله تعالى إنما افترض على الجنب الغسل من الجنابة، دون الوضوء، بقوله: وإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا. وهو إجماع لا خلاف فيه بين العلماء، إلا أنهم أجمعوا على استحباب الوضوء قبل الغسل، تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم ; ولأنه أعون على الغسل، وأهذب فيه. انتهى.
وعلى هذا فمن انغمس في النهر بنيةِ رفع الجنابة فقد صحت طهارته إذا جاء بالنية وانغمس بالماء بكامل بدنه ووصل الماء إلى فمه وانفه وهذا يعني أن طهارته صحيحة, فان كان يريد زيادة في الأجر جاء بالكيفية المستحبة للغسل.
والله أعلم.
فإن للغسل من الجنابة صفتين:
أـ صفة للغسل الواجب الذي من أتى به أجزأه، وارتفع حدثه، وهو ما جمع شيئين:
الأول: النية، وهي أن يغتسل بنية رفع الحدث،
والثاني: تعميم الجسد بالماء.
ب ـ صفة الغسل الكامل وهو: ما جمع بين الواجب والمستحب، ووصفه كالآتي:
يغسل كفيه قبل إدخالها في الإناء ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة كاملاً أو يؤخر غسل الرجلين إلى آخر الغسل، ثم يفرق شعر رأسه فيفيض ثلاث حثيات من ماء، حتى يروى كله، ثم يفيض الماء على شقه الأيمن، ثم يفيض الماء على شقه الأيسر، هذا هو الغسل الأكمل والأفضل، ودليله ما في الصحيحين من حديث ابن عباس عن خالته ميمونة ـ رضي الله عنهما ـ قالت: أدنيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم غسله من الجنابة، فغسل كفيه مرتين أو ثلاثاً، ثم أدخل يده في الإناء، ثم أفرغ به على فرجه وغسل بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكاً شديداً، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفه، ثم غسل سائر جسده، ثم تنحى عن مقامه ذلك فغسل رجليه، ثم أتيته بالمنديل فرده.

ومن اقتصر على الصفة الأولى: من النية وتعميم الجسد بالماء أجزأه ذلك ولو لم يتوضأ، لدخول الوضوء في الغسل، وهذا الغسل للرجل والمرأة، إلا أن المرأة لا يجب عليها أن تنقض ضفيرتها إن وصل الماء إلى أصل الشعر، وبأحد هذين الاغتسالين يكون الرجل أو المرأة قد تطهر من الجنابة، وكذلك تطهر المرأة من الحيض والنفاس. والله أعلم.
ومن زاد على ذلك في البحث عن الأمور الدقيقة وراح يقارنها ويبالغ في شرحها وفرضها كشرط أساسي لحصول الطهارة فقد بالغ إلى درجة تعقيد الأمور وكان سببا في وقوع البعض في وسواس الطهارة واقصد هنا بعض من طلبة العلم المتشددين لمذهب معين ولا يقبلون الاختلاف وينكرون على المذاهب الأخرى تعصبا لمذهب واحد من المذاهب الأربعة وهذا ليس من الإسلام في شيء فالطهارة هي أسهل الأبواب في الدين وأولى لمن يتشدد في كيفية الطهارة أن يتشدد في أمور تهم المسلم مثل العلم والمعاملات من البيع والشراء والعدل في قضايا كثيرة والأيتام وأموالهم والأرامل والميراث, في الزكاة وشرحها في حولها ونصابها في معاملة الأبوين وبرهم والزوجة وحقها والأبناء والجيران وحسن الجوار ولا يأخذ الطهارة باب ليشق على الناس في الكيفية حتى ترى الناس وقعت في الوسواس يقفون على باب الحمام شكا وحيرة وحزنا.
تم بحول الله
 

2011 babalhekmah.org All Rights Reserved