﴿ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة:216]

من عرف نفسه عرف الله!
كتابات في باب الحكمة وخطوات في أثر الغريب

تجيبني متأخرًا أو قد لا تجيبني حين أدعوك، وتستعجلني حين تدعوني، فكيف لي أن أكون حين ترجوني، وأنا لا أجدك حين أرجوك.


تأليف العبد الفقير إلى الله
علي أرشيد فلاح الموالي الحميدان


مراجعة وتقديم
فضيلة الشيخ الدكتور إبراهيم عافية
دكتوراة الدولة في الدراسات اليهودية والنصرانية ومقارنة الأديان

كتاب: من عرف نفسه عرف الله - الفصل التاسع
الوسواس والقلق وكيفية التخلص منهما بأسرع الطرق وأبسطها


الجزء الأول:
لا أريد أن أكرر ما قاله الآخرون، وجزاهم الله كل خير؛ كل حسب خبرته ونيته، وسأضع بين يدي إخواني وأخواتي ما لدي من علم وخبرة لعل الله يكتب لنا الشفاء جميعا؛ فلا يخلو إنسان في هذا العصر من ابتلاء، كما يذكر علماء النفس في العالم.
اسمحوا لي أن أضع المفاهيم التي تعلمتها وليس التصانيف التي وُضعت، لأن هذه الحالات لا تعتبر أمراضا، بل هي حالات عابرة واختلال في التوازن، ونحن نجسدها ونضع لها أسماء كبيرة، وهذا جزء من المصيبة، وذلك ناتج عن قلة الخبرة وضعف الإيمان والعلم لدينا فنقع في هذا التخبط ونقنع أنفسنا بأنا مرضى ولدينا حالات مستعصية ونذهب لنبحث عن العلاج وهو بين أيدينا، ولكن حقا.. إنها تعمى القلوب.
ما هو السبب الذي يجعلنا نصاب بالوسواس والشك والقلق والتوتر والاكتئاب والحزن غير المبرر؟
السبب هو اختلال التوازن بين التفكير والعمل، كل عمل يقوم به الإنسان مبني على التفكير، مثلا تذهب للحمام بعد تلقي إنذار فتقوم بإخراج المادة الزائدة.
المصاب بالوسواس يعود إلى الحمام ليتأكد أنه سحب الماء خلفه أم لا؟ هل قام بإغلاق الباب؟ هل أطفأ النار؟ الشك بالزوج أو الزوجة، الشك بالإصابة بالسحر أو العين، التفكير السلبي في حالات قصر القامة، رائحة الفم، نسبة الجمال، نسبة القبول، الخوف من عدو وهمي، الانطواء والأمثلة كثيرة ولا داعي لذكرها، لأننا نريد أن نتخلص من هذه الحالات بكل بساطة وهذا هو الأهم، وكلي ثقة أن كل إنسان يستطيع أن يتفهم الموضوع، ربما سيضحك على نفسه لأنه هو نفسه صنع عقدته بجهله وقلة خبرته.
نعود لنبسط الموضوع؛ هذه الحالات عبارة عن اختلال بين التفكير والعمل، تفكير سلبي يساور الإنسان أنه لم يقم بالعمل الذي فكر به، لأن العمل يجب أن يطابق التفكير.
من له قدرة التأثير علينا لكي يدخل بين التفكير والعمل ليشككنا به؟
نقول: الشيطان.
ما السبب؟
هل سيطر علينا؟
هل أصبح شريكا في كل تفكير نفكر به؟
هل أصبح مكانه في حياتنا لدرجة أنه أصبح يشاركنا التفكير والعمل ويشككنا ويخوفنا ويحزننا؟
إذن نحن في هذه الحالة لسنا نملك السيطرة على أنفسنا؛ هناك شريك ثالث.
من هو؟
إنه القرين! نعم إنه القرين!
فما القرين وما مهمته؟
تعالوا نتعرف على هذا الشريك في الحياة؛ ونبدأ بتحذير النبي منه، والإخبار عن شأنه، حيث يقول كما في مسند أحمد، حيث قال: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَسَمِعْتُهُ أَنَا مِنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ قَابُوسَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(لَيْسَ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الشَّيَاطِينِ. قَالُوا: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِنَّ اللهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ)( ).
أما وظيفة القرين؛ فهي الإيحاء للإنسان بالشر وتلبيس الأمور عليه.
أما الآيات القرآنية التي ذكر فيها القرين فكثيرة، منها قوله سبحانه:
قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ [ الصافات: ٥١]، وقوله: وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [ الزخرف: ٣٦]. وهذا قرين آخر من شياطين الإنس، يقيضه الله سبحانه وتعالى لمن أدبر وتولى، ولمن رفض الانصياع لأوامره فيكون الصاحب المهلك. وقوله تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ [ الزخرف: ٣٨]، وقوله سبحانه: قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ [ ق: ٢٧].
إذا علمنا أن لدينا قرينًا ملاصقا لنا طيلة حياتنا، وهم من الجن والإنس كما ذكرتهم الآيات والتفاسير، فما مدى تأثيره علينا؟ إن قدرته مبنية على قوة وضعف الإيمان والعقيدة عند الإنسان، واختلال التوازن النفسي بسبب أزمة معينة أو حالة مر بها!
والقرين يعتبر حليف إبليس في كل إنسان، ولا يترك أي إنسان كان مؤمنًا أو كافرًا، وهمه السيطرة التامة على هذا الإنسان، فإن كان مؤمنًا تقيًّا فلا يقدر عليه، لأنه يعرف أن هذا التفكير السلبي هو عمل شيطاني سلبي لا يتناسب مع فطرته وتربيته السليمة، قال تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ [ الأعراف: ٢٠١]، وقوله: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً [ الإسراء: ٦٥]، وقوله: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ[ الحجر: ٤٢]، وقوله: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ[ النحل: ٩٩].
إذن هو لا يكتسب قوته إلا من ضعف عقيدة الإنسان وضعف إيمانه بالله عز وجل! فهل تعرفت على نفسك أكثر، وهل تشعر بأنك أصبحت أقرب إلى تولي القيادة كاملة على حياتك النفسية؟


الجزء الثاني:
بعد أن تعرفنا على القرين ومهمته في حياتنا ولا وسيلة للخلاص منه، إذن ما العمل؟ التكيف معه؟ تركه يعبث في حياتنا؟ أم علينا إلجامه بلجام الحق والعلم والإيمان!
سؤال: هل أملك القدرة والسيطرة على نفسي؟
سؤال: هل أنا مسير من بعد بجهاز وأُوَجَّه حسب تعليمات هذا القرين وأعوانه؟
سؤال: هل الأوامر التي يعطيني إياها أنا مسير في تنفيذها؟
سؤال: هل أنا حقا مريض؟
سؤال: ما هو مرضي؟ شك ظن وسواس خوف؟
سؤال: منذ متى أعاني منه؟
الجواب: أنا عرفت حالتي وعرفت أنها ليست مرضا، وعرفت المصدر المسبب لي كل هذا، وأنها مجرد حالة من الغفلة سيطر بها على عقلي وتفكيري هذا القرين لأسباب؛ ربما لبعدي عن ربي وضعف إيماني وقلة علمي أو لجهلي بهذا الموضوع!
سؤال: هل أصبحت له عبدا وأنا عبد لله وحده؟
سؤال: أين قدرة هذا المخلوق من قدرة الخالق؟
الجواب: أنا مخلوق وهو مخلوق وليس لمخلوق قدرة على مخلوق إلا بإذن الله! يقول تعالى:
وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ[ البقرة: ١٠٢].
سؤال: هل حقًا أنا في ولاية الله وحفظه؟ إذن كيف أخذ مكانه من حياتي، والله عز وجل يقول:
أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ[ يونس: ٦٢]، ويقول: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [ البقرة: ٢٥٧]. ويقول سبحانه: يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ [ الأعراف: ٢٧].
بحول الله نحن في طريق العلاج لو تم تنشيط القدرة لتولي القيادة في حياتنا، ولا تنسَ هذا القول: (أنا عبد الله (أمة الله) خلق من خلق الله ولا قدرة لمخلوق على مخلوق إلا بإذن الله.

إذا أنا بعدت عن ربي ولم أنل ولايته وحفظه وأخذ الشيطان مني مأخذه (إما بذنوبي أو بقلة علمي وجهلي بأمور ديني) أو أسرفت في حياتي وأضعت عمري بين الصور والموسيقى والأغاني والأفلام وحفظت أسماء الممثلين والمطربين وأغانيهم بالكامل على حساب كتاب الله الكريم وآياته العظام وعظمت ما دونها، والله يقول: قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاؤُواْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ [ البقرة: ٦١].وهنا نقول إن هناك حالة من الضياع والله المستعان!
أو ربما أهملت في عبادة ربي وتعبدت بنفسي وأموالي أعدها وأحضر ملابسي من الليل وأكويها وعطوري وهندامي وحذائي ومظهري، وأضيع الوقت وقوفا أمام المرآة، أحدث نفسي وأقيم جمالي وشكلي وأحضر السيناريو للخروج كيف سيروني أصدقائي أو علاقاتي العاطفية، كيف ستكون النظرة الأولى والانطباع عندما يشاهدوني بهذا الديكور الجديد، وهل سيلفت نظرهم هذا العطر الثمين والنادر؟ وكيف سأحرك يدي حتى يروا الساعة الجديدة؟
هنا نقول إن هناك حالة من فقدان الثقة بالنفس!
بحول الله نحن في طريق العلاج لو تم تنشيط القدرة لتولي القيادة في حياتنا، أنا عبد الله (أمة الله) خلق من خلق الله ولا قدرة لمخلوق على مخلوق إلا بإذن الله.
أو ربما كنتُ مهرجا أُحَضِّر النكات وأذهب لأشارك أصدقاء السوء حتى يقولوا عني إني صديق رائع مرح لا غنى عنه، نعم، أنا أضحكهم لأن الإنسان المرح محبوب، خصوصا عند الجنس الآخر، وشاركتهم بعض المشروبات الروحية، يا أخي ماذا نفعل إذا لم تشارك في الشراب والتدخين وتعاطي المخدرات؛ لست بالصديق المحبوب!
هذه الحالة يكون الشيطان أقرب فيها من تولي القيادة كاملة ولا يملك الإنسان من نفسه إلا شكله واسمه.
لا، سأحاول أن أعمل تمارين رياضية وبناء جسمي لكي يصبح شكلي رياضيًّا وجسمي ذا عضلات مفتولة ويهابني الناس!
لا، سأبحث عن كتاب أتعلم منه كيفية الحصول على القدرة الروحانية والتأثير على الناس، نعم، هناك كتب مشكوك فيها تعلم كيف تسيطر على الآخرين أو تصبح محبوبا عند النساء، لا عليك هي مجموعة طلاسم، لكن كلها مكتوب عنها مُجَرَّب مُجَرَّب!
هذه من أصعب الحالات التي يصعب علاجها فالمصاب بها يخشى الخروج ليلا، بحول الله نحن في طريق العلاج لو تم تنشيط القدرة لتولي القيادة في حياتنا؛ أنا عبد الله (أمة الله) خلق من خلق الله ولا قدرة لمخلوق على مخلوق إلا بإذن الله.
هل تعرفت على نفسك أكثر؟ هل تشعر بأنك أصبحت أقرب إلى تولي القيادة كاملة على حياتك النفسية؟


الجزء الثالث:
إفطار الروح والنفس والعقل قبل إفطار البدن.
ما يقال في الصباح:
إذا أصبح الفرد منا يقول:
(إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذَا الْيَوْمِ فَتْحَهُ وَنَصْرَهُ وَنُورَهُ وَبَرَكَتَهُ وَهُدَاهُ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهُ ثُمَّ إِذَا أَمْسَى فَلْيَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ)( ).
ويقول:
(اللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا وَبِكَ أَمْسَيْنَا وَبِكَ نَحْيَا وَبِكَ نَمُوتُ وَإِلَيْكَ النُّشُورُ)( ).
ويقول:
(اللَّهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِى مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْكَ وَحْدَكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ فَلَكَ الْحَمْدُ وَلَكَ الشُّكْرُ)( ).
ويقول: (أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذَا الْيَوْمِ فَتْحَهُ وَنَصْرَهُ وَنُورَهُ وَبَرَكَتَهُ وَهُدَاهُ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهُ)( ).
هذا هو إفطار المؤمنين:
من هنا نبدأ العلاج؛ أن نرد الفضل لربنا وخالقنا اعترافا منا بفضله ومنه وإحسانه بأن أحيانا وأعطانا يوما جديدا وفرصة جديدة، وسأجعل يومي إيجابيا؛ أقوم بعمل إيجابي ولو بسيطا، لا أحد سبب لي مشكلة أو تعطيلا لقدري، لأن قدري بيد الله وحده، لن ألوم أحدا بل سأقوم لعمل أي عمل ولو في البيت سأقوم لأتوضأ وأصلي الفجر وأقرأ ما تيسر، وبعدها أذهب لغذاء بدني!
سأفتح النافذة لأرى السماء وأشم الهواء وأرى نعمة ربي بهذه العين التي أكرمني الله بها وأتمتع بجمال الطبيعة التي خلقها الله!
سأنظر كيف أشرقت الأرض بنور ربها، وأجدد عهدي مع الله؛ أن يكون لي كل شيء وأتخلص من حولي إلى حول الله ومن قوتي إلى قوة الله وأن يكون وقتي لله وأحاسب نفسي في أعمالها، وهل أي عمل سأقوم به يرضاه الله لي أم أن فيه غضب الله؟
من عرف نفسه عرف الله! كيف وأنا لا أملك زمام القيادة وسلمت نفسي لهذا العدو ببعدي عن الله؟!
أصبحنا وأصبح الملك لله والحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور.
بحول الله نحن في طريق العلاج لو تم تنشيط القدرة لتولي القيادة في حياتنا، أنا عبد الله (أمة الله) خلق من خلق الله ولا قدرة لمخلوق على مخلوق إلا بإذن الله.
وتقول إن بك وسواسا، فماذا يقول الضرير رحمه الله؟!
تقول إن بك قلقا فماذا يقول الأصم رحمه الله؟!
تقول إن بك خوفا وحزنا فماذا يقول المعاق رحمه الله؟!
لماذا نفتقد نعمة الله؟ لأننا مرات لا نعرف قيمتها ولا نرى من حرم منها! ماذا لو كلمت رجلا ضريرا بأن بك وسواسا وقلقا وحزنا لسبب أنت تعلمه؛ لفقدان شيء مادي! سبحان الله!
هل تريد أن تقوم بالتجربة لتسمع الإجابة؟
فلنقل الحمد لله على النعم التي أنعم الله علينا، بحول الله نحن في طريق العلاج لو تم تنشيط القدرة لتولي القيادة في حياتنا، أنا عبد الله (أمة الله) خلق من خلق الله ولا قدرة لمخلوق على مخلوق إلا بإذن الله.
هل تعرفت على نفسك أكثر؟ وهل تشعر بأنك أصبحت أقرب إلى تولي القيادة كاملة على حياتك النفسية؟


الجزء الرابع:
كيف تشكلت عندي هذه الحالة وكيف ثبتها في حياتي أنا بنفسي؟
أحدهم يقول: كانوا ينادوني قزما وقصيرا! وآخر يقول كان طلاب صفي يسموني بأسماء وألقاب أكرهها! وأخرى تقول: إن أمي كانت تحسسني بالفارق وكانت تحب أختي أكثر مني، وآخر يقول: إن والدي كان يأخذ أخي الأكبر معه ويعطيه السيارة ليقودها! وآخر يقول: كانت هناك فتاة في الحي وكنت أحبها لكنها اختارت صديقي ولم تخترني. وكل له حكايته؟
وما هو العمل إذن؟ أن نعيش في الماضي وننغص حياتنا ونعاقب أنفسنا أم نحاسب زماننا ونقلب ماضينا وندمر حياتنا وننتقم من الماضي الذي سبب لنا كل هذه العقد؟!
نعم، أفضل وسيلة هي الانتقام من أنفسنا وحظوظنا وماضينا، وهكذا ينتصر الشيطان ويتلذذ الحاسد والشامت!
إن كان كذلك فهذا كلام إنسان فاشل متقوقع في الماضي، وفقد الإحساس بنعمة الحياة وصنع عقده بنفسه، وكتب أغاني شيطانية حزينة يغنيها لوحده في معبد الشيطان حزنا وألما وبكاء!
ولكن هل ستتوقف عقارب الساعة عند موته؟ هل سيُعلن قيام القيامة ونهاية العالم؟ سيتوقف الناس عن الطعام والشراب وعن الحياة حدادا على موت إنسان فاشل؟
لا يا صديقي، أنت أقمت مملكة من الوهم لا يسكنها إلا الشياطين، وبنيتها في حياتك وحدودها لم تتجاوز جدران عقلك، أتعبت نفسك وأهلك تبحث عن المسبب والأعذار فهل سألت نفسك يوما من أنت؟
ما هي شهادتك ودراستك وخبرتك؟
ما الذي قدمته لغيرك ولأهلك وللمجتمع الذي تعيش؟
هل تعلم سبب وجودك في الأرض؟
هل تعرف سبب خلقك؟
أم أنك مجرد مستهلك لهذا الإرث العظيم الذي تركه الأنبياء عليهم صلاة الله وسلامه، وصحابته الكرام وأهل العلم والعلماء بجميع علومهم، من أعمال وتراجم واكتشافات، أين أنت منهم وماذا أضفت ماذا قدمت؟
هل كنت عونا بمالك للفقير والمحتاج؟
هل أنت إنسان إيجابي أم تظن أن كل من في الأرض وُجِدوا لخدمتك، أيها السيد العظيم؟
هل تعرف أعظم رجل عرفته الحياة؟
هل سمعت بسيد المخلوقات وأشرفهم وأعلاهم درجة عند ربه؟
هل سمعت بمحمد صلى الله عليه وسلم؟ هل قرأت سيرته وحزنه على الأمة؟ هل سمعت أنه عاش فقيرا يتيما؟ هل تعلم ماذا حصل له بالطائف؟ هل سمعت عن صلاته وتعبده وشكره لربه وخوفه من خالقه عز وجل؟
يا صديقي ما أنت إلا رقم من هذه الأرقام التي تسير على الأرض!
ولا تظن أن العالم يتابع أخبارك بكل القلق والحزن ويصلون لله لكي تخرج من شرفتك لتطل عليهم لتعيد لهم البهجة والسرور!
يا صديقي كل له قصة وينتظر ساعة رحيله لرب العالمين بكتاب يرجو الله أن يكون بيمينه.
فقد أخرج أحمد عن النبي، قال:
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنِي زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ، حَدَّثَنِي السَّائِبُ بْنُ حُبَيْشٍ الْكَلَاعِيُّ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمَرِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو الدَّرْدَاءِ: أَيْنَ مَسْكَنُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: فِي قَرْيَةٍ دُونَ حِمْصَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ لَا يُؤَذَّنُ وَلَا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ إِلَّا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ الذِّئْبَ يَأْكُلُ الْقَاصِيَةَ)( ). فلا تترك هذا الذئب يقصيك عن إخوانك وعن العائلة الكبرى.
لا تعتقد أنك ذكي وقادر على أن تلعبها بفن وحرفية وترضي جميع الأطراف! لا حيلة مع الله.. ولنذكر قول الله تعالى:
قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [ الأنعام: ٧١].
علاقة الإنسان بربه علاقة مخلوق بخالق، وسبب للخلق، وليس مصحا للأمراض العقلية ولا بنكا يعطي قروضا بلا أجل وغير مستردة.
هل الله فقط للعلاج وقضاء الحوائج؟ هل العظيم يعامل بهذه البساطة والسذاجة؟ فقط للمصائب الحوائج والعلاج؟ وقد صدق القائل:
صَلَّى وصَامَ لِأَمْرٍ كَانَ يَطْلُبُهُ *** لَمَّا انْقَضَى الْأَمْرُ لَا صَلَّى وَلَا صَامَ
ما أحزن ذلك لو كنا من هذا النوع، ونقول: من أين وصل إلينا الوسواس؟ بحول الله نحن في طريق العلاج لو تم تنشيط القدرة لتولي القيادة في حياتنا، أنا عبد الله (أمة الله) خلق من خلق الله ولا قدرة لمخلوق على مخلوق إلا بإذن الله.
هل تعرفت على نفسك أكثر؟ هل تشعر بأنك أصبحت أقرب إلى تولي القيادة كاملة على حياتك النفسية؟


الجزء الخامس:
لماذا أصبت بهذا الابتلاء؟ ربما نود أن تعرض علينا قائمة الأمراض الحقيقية والابتلاءات والعاهات ونرى أن ما أصابنا مجرد قشة صغيرة دخلت في العين فضايقت النظر، ولله الحمد أنها لم تسبب في فقدان النظر، إذن، هناك ابتلاءات وقائمة طويلة منها، ومن الممكن أن تصيبك واحدة من هذه الأسماء التي بالقائمة، قال تعالى:
أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [ البقرة: ٢١٤]. وقال: أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُون َ[ العنكبوت: ٢].
إذن هناك ابتلاء من الله سبحانه وتعالى واختبارات الإيمان، وكل على قدر علمه وتحمله؛ فالله لا يكلف نفسا إلا وسعها.
نبحث عن الحل؟
هل هذه أول مرة تمر بابتلاء في حياتك؟
هل هذا أول شيء قابلته في الدنيا؟
هل خرجت من ابتلاء أكبر من هذا من قبل؟
إذن لماذا تظن أنك لن تخرج هذه المرة؟ هل تعتقد أنها القاضية؟
هل تعلمت من التجربة الأولى أم كررت نفس الخطأ؟
هل أنا الوحيد المبتلى وباقي الخلق ينعمون ويفرحون؟
هل تظن أن الناس تشير إليك بأصابع الشماتة عندما تمر بالطريق وأنهم كانوا ينتظرونك؟
هل تظن أنك مهم لهذه الدرجة عند الناس؟
هل تظن أن الناس ليس لهم حديث واهتمام غير متابعتك ومراقبتك والكلام عنك؟
فكر جيدًا يا صديقي واعلم أنك تصنع عالمًا من الوهم وليس للناس فيه أي يد، لكن اعلم أن الله معك رغم كل ما تظن بالله وعلينا أن نظن بالله كل خير؛ فهو القائل على لسان نبيه الكريم:
(أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً)( ).
بحول الله نحن في طريق العلاج لو تم تنشيط القدرة لتولي القيادة في حياتنا.
أنا عبد الله (أمة الله) خلق من خلق الله ولا قدرة لمخلوق على مخلوق إلا بإذن الله.
هل تعرفت على نفسك أكثر، هل تشعر بأنك أصبحت أقرب إلى تولي القيادة كاملة على حياتك النفسية؟


الجزء السادس:
فكم نعمة أملكها يحسدونني عليها ولا أحس بها!
ذكرنا في باب الوسواس سابقا.. أنه هو التشكيك بين التفكير والعمل!
كيف يتم الخلاص من هذا الشك؟
نحن نعرف أن المصاب بالوسواس يعيد النظر في عمله شكا منه أنه لم يقم به، مثل عدد الركعات والقراءة أثناء الصلاة، هل نظف الحمام أم لا؟ هل أغلق الباب؟ وغيرها.
الحل البسيط! ماذا لو أني دخلت إلى الحمام ولم أسحب الماء خلفي، ما الذي سيحصل؟
الجواب: لم أسحب الماء ولا يهمني وليس لدي وقت أضيعه في هذا التفكير وسأخرج حالا أو أقوم بعمل آخر وبسرعة أنتقل فيه إلى تفكير وعمل آخر! فالنسيان لا يعني جريمة، وهذا الفعل بسيط وتافه، وليس له قيمة.
نسيت الماء؟ ماذا يعني.. نهاية العالم، كبيرة من الكبائر؟
وبنفس الطريقة تمرد على أي فكر؛ لم أغلق الباب ودع جميع اللصوص يدخلوا إلى البيت أهلا بهم!
خالف في كل شيء، تمرد على أي تفكير، خذ كتابا.. شاهد شيئا آخر، قم بعمل رياضة، وهي من أهم الأعمال التي تساعد في هذا العلاج.
كلِّم نفسك لو كنت وحدك، ونادِ على نفسك باسمك؛ عليك أن تأكل يا فلان.. نعم سأقوم لأعد الطعام.. سأذهب لزيارة أخي أو أختي أو صديق. سأذهب للصلاة في المسجد.
حدث نفسك بالإيجابية وأنك الحمد لله اليوم قمت بعمل إيجابي وبتغيير، وغدا سيكون يوم آخر بأمر الله وأحسن من اليوم والأخبار الطيبة في الطريق.
العقل الباطن ليس سوى آلة وجهاز لتخزين المعلومات التي نلقيها إليه، في التنويم المغناطيسي يسيطر المنوم المغناطيسي على الإنسان ويعطيه أوامر ويقوم بتنفيذها، ابكِ اضحكْ ارقُصْ!
إذن العقل الباطن مجرد آلة لتخزين المعلومات ويعطينا ما نخزن فيه.
وهنا عليك أن تغمر حياتك بكل شيء إيجابي وتقنع نفسك به ودع الندم وندب الحظ وتسمية نفسك بأسماء فاشلة!
ما المطلوب إذن؟
أن نلقنه المعلومات الإيجابية ونقنع أنفسنا بأننا أناس إيجابيون وأن لدينا إرادة قوية قادرة على تغيير الأحوال والأوضاع.
كيف؟
هناك طاقة قوية بداخل الإنسان يستطيع أن يسخرها لتقوم بالأعمال الصعبة وحل المشاكل المستعصية!
كيف ننشطها وما هي الطريقة وهل كل الناس يحملونها؟
نعم؟
إذن كيف أستطيع أن أنشطها وأستخدم هذه الطاقة إيجابيا؟
الحل بين يديك!
قبل أن ننتقل إلى ذلك، علينا أن نفهم أنه ليس هناك إنسان كامل، وما ينقصني شيء طبيعي، وما عندي من أشياء ومواهب وصفات أخرى كثيرون لا يملكونها!
أنا أضعت عمري أحاول أن أتمم هذا النقص ونسيت نعمة الله علي والمواهب الأخرى التي لدي ووضعت همي في نقطة ميتة لا تساعد في شيء، غير أنها تفقدني قيمة المواهب الأخرى والتمتع بها وشكر لله عليها!
فكم نعمة أملكها يحسدونني عليها ولا أحس بها!
وأنا غارق في التفكير كيف أتمم هذا النقص؟
سبحان الله.
تعلم حب نفسك ولا تعاقبها واقبل بما أعطاك الله واشكر له. فمن رضي بما قسم الله له يعش أغنى الناس، مثلا لو تقابلت مع رجل غني جدا، وسألته عن عمره، فأجابك أنه 60 عاما، وسألته كم يملك فأجابك: الملايين! فسألك هو بدوره: كم عمرك، فأجبته: 30 عاما!
اسأله: هل تقبل بالتبادل؟ أعطيك عمري مقابل مالك!
سيقبل، وسيقبل لو وفرت له نعمة أن يأكل قطعة من الحلوى لأنها ممنوعة عليه، سبحان الله والحمد لله والله أكبر.
إذن العمر والشباب نعمة، وكل الفرص سانحة، وربما أكون أغنى منه في الأربعين!
وإن لم أصل فيكفي أني غني بعمري وشبابي وصحتي!
والأمثلة في القرآن الكريم كثيرة، منها قوله:
رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ [ الحجر: ٢]، وقوله: وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ البقرة: ١٠٩]، وقوله: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [ البقرة: ٩٦].
واضح أننا نسينا نعمة الإسلام ولم نعد نعرف قيمة الإنسان المسلم، وعليه، فلا عجب لو تسلطت علينا الوساوس والشياطين!
بحول الله نحن في طريق العلاج لو تم تنشيط القدرة لتولي القيادة في حياتنا، أنا عبد الله (أمة الله) خلق من خلق الله ولا قدرة لمخلوق على مخلوق إلا بإذن الله.
هل تعرفت على نفسك أكثر؟
هل تشعر بأنك أصبحت أقرب إلى تولي القيادة كاملة على حياتك النفسية؟


الجزء السابع:
مشكلتنا أننا ما عرفنا قدر الله.
قبل الدخول في الطاقة والقدرات علينا أن نمارس أبسطها؛ كيف نتخلص من الحالة التي لدينا أولا!
من هو مثلك الأعلى؟
هل هناك شخصية في حياتك تقلدها وتتمنى لو تكون مثلها؟
هل هذه الشخصية إيجابية وقدمت شيئا للبشرية أم أنها صوت وصورة وشكل؟
مطرب ممثل سينمائي؟ كاتب عالم؟
نبي رسول؟
صحابي أو رجل من أهل العلم؟
إن كان نبيا أو رسولا أو صحابيا فلا أعتقد أن مشكلتك كبيرة!
أما إن كان ممثلا أو مطربا وصوتا وصورة، تكون فاقد الاتصال بنفسك والإحساس لديك!
وهذا يعني أنك فقدت قيمة نفسك!
لماذا نتشبه برجل لمجرد أنه مشهور؟
حتى أُصبِح مَحْبُوبا عند الناس ولديّ عشاق كثيرون!
سبحان الله. هل هذا هو الهدف الذي نصبو إليه؟ وكيف نريد من الله أن يشفينا وييسر لنا العلاج، ونحن نتعبد برجل آخر من مخلوقات الله فقط لصورته وصوته وشهرته؟!
هل نريد من الله العلاج وبعدها نعود إلى صومعة التعبد بهذا الشخص؟
لماذا لا تقول إن الله ابتلاك لتعود لجنبه وتأنس بقربه وتتعبد بوحدانيته ولينقذك من سخافتك وجهلك وتعبدك بالمخلوقات والضرر بنفسك، لدرجة أنك فقدت قيمة نفسك ونسيت مكانتك عند الله!
هل تعرف مكانة الإنسان المسلم عند ربه؟
هل تعرف من هم أحب الخلق إلى الله عز وجل؟
أم اكتفيت بحب البشر عن حب الله!
هل تعرف كمية الحبوب المنومة والمسكنة والمخدرات التي يتعاطها المشاهير؟
هل تعلم نسبة الانتحار التي تقع بين المشاهير، الذين تذوقوا كل شيء وأباحوا كل شيء، فلم يبق لهم سوى الانتحار؟
هل سمعت بآية من القرآن فيها كلام العزيز الرحيم تقول:
الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [ الرعد: ٢٨].
أليس الله هو اللطيف الخبير ويعلم من خلق؟ فهل للقلوب إلا ذكر الله؟
لكن مشكلتنا أننا ما عرفنا قدر الله ولا حقه علينا، ونأكل خيره، ونعبد غيره، ونتعامل معه بالأنانية، وهو ربنا وخالقنا ومولانا ولا نعرفه إلا في الشدة، ولا نريد منه إلا العلاج! يقول تعالى:
وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ[ يونس: 12]، ويقول: وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ [ يونس: ٢١].
بحول الله نحن في طريق العلاج لو تم تنشيط القدرة لتولي القيادة في حياتنا، أنا عبد الله (أمة الله) خلق من خلق الله ولا قدرة لمخلوق على مخلوق إلا بإذن الله.
هل تعرفت على نفسك أكثر؟ هل تشعر بأنك أصبحت أقرب إلى تولي القيادة كاملة على حياتك النفسية؟


الجزء الثامن:
هل حقًا نبحث عن الشفاء الكامل أم المؤقت؟
هل ينتظرونني شركاء الحزن والسوء وأنا حائر بينهم وبين أن أسلك طريق الصالحين؟
ماذا سيقولون عني؟
أصبح من أهل المساجد وصار رجلا متدينا! لكن يا أخي الفتيات اليوم في حرية وما يحبون الرجل المتدين!
سبحان الله، هل هذه معايير الحياة؛ أن الرجل الصالح لم يعد محبوبا؟
هل هناك فتيات صالحات يبحثن عن الرجل الصالح؟
هل حقا الطيور على أشكالها تقع؟
هل حقا أن لكل ساقط لاقط؟ ليصدق بذلك قول الله تعالى:
الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [ النور: ٢٦].
وتكمن المشكلة في أننا نتعامل مع أناس في قمة الأنانية لا يريدون من الدين إلا العلاج ولهم مقاييس ومعايير تختلف عن مقاييس الدين!
هل يجوز أن نأخذ ببعض ونترك بعضا؟
من الدين العلاج فقط، لأن هناك حالات كثيرة لا يستطيع الطب علاجها! أما العلاقات الاجتماعية والغرامية طبعا من الكتالوج الدنيوي والمعايير التافهة التي وضعها علماء الجهل، يقول تعالى مستنكرًا عليهم:
أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [ البقرة: ٨٥].
تعلمت من تجربتي في هذا الباب أن أغلب هذه الحالات يصيب المتكبرين.
نعم المتكبرين! وهذه مقدمة سريعة في باب المتكبرين؛ فلقد جعل الله النار دار المتكبرين، ولنا العبر والاتعاظ في قوله تعالى:
فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [ النحل: ٢٩]، وقوله: إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ غافر: ٥٦].
وقال صلى الله عليه وسلم:
(لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ رَجُلٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ)( ).
وفيما أخرجه أحمد، قال: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَيَزِيدُ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ:
(كُنْتُ لَا أُحْبَسُ عَنْ ثَلَاثٍ وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ: فَنَسِيَ عَمْرٌو وَاحِدَةً، وَنَسِيتُ أَنَا أُخْرَى، وَبَقِيَتْ هَذِهِ عَنِ النَّجْوَى، عَنْ كَذَا، وَعَنْ كَذَا، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، وَعِنْدَهُ مَالِكُ بْنُ مُرَارَةَ الرَّهَاوِيُّ، قَالَ: فَأَدْرَكْتُ مِنْ آخِرِ حَدِيثِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي رَجُلٌ قَدْ قُسِمَ لِي مِنَ الْجَمَالِ مَا تَرَى، فَمَا أُحِبُّ أَنَّ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ فَضَلَنِي بِشِرَاكَيْنِ، فَمَا فَوْقَهُمَا، أَفَلَيْسَ ذَلِكَ هُوَ الْبَغْيَ؟ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِالْبَغْيِ، وَلَكِنَّ الْبَغْيَ مَنْ سَفِهَ الْحَقَّ، أَوْ بَطِرَ الْحَقَّ، وَغَمَطَ النَّاسَ)( ).
وكما أن من تواضع لله رفعه، فكذلك من تكبر عن الانقياد للحق أذله الله ووضعه، وصغره وحقره. ومن تكبر عن الانقياد للحق - ولو جاءه على يد صغير، أو من يبغضه أو يعاديه - فإنما تكبره على الله، فإن الله هو الحق، كلامه حق. ودينه حق. والحق صفته. ومنه وله، فإذا رده العبد وتكبر عن قبوله، فإنما رد على الله، وتكبر عليه. والله أعلم.
بحول الله نحن في طريق العلاج لو تم تنشيط القدرة لتولي القيادة في حياتنا
أنا عبد الله (أمة الله) خلق من خلق الله ولا قدرة لمخلوق على مخلوق إلا بإذن الله.
هل تعرفت على نفسك أكثر؟ هل تشعر بأنك أصبحت أقرب إلى تولي القيادة كاملة على حياتك النفسية؟


الجزء التاسع:
أنا طبيب نفسي والعلاج بيد الله.
قبل أن تدخل في دائرة المعالجين والأطباء ألا تتمنى أن تكون طبيب نفسك وحفيظ سرك وتنال علما ينفعك وغيرك؟
أيهما أحب إليك؛ أن تعالج نفسك أو أن يعالجوك؟
هل أستطيع وحدي بلا مساعدة؟
نعم إذا اتبعت طرق العلاج بالحكمة والصبر والتوكل على الله، لا تقبل أن تكون أسيرا لغيرك فأنت لن تصبح معالجا بل إنسان ذو علم وحكمة وبصيرة، تقود مركبة حياتك على ثقة بالنفس وتوازن في شخصك، لست أسيرا لدواء ولا لمعالج تريد أن تبقى قريبا من بيته أو قريبا من المستشفيات خوفا من أن تعود إليك الحالة، ولا بدرج مليء بالأدوية، وتضع ثقلك وثقتك فيها!
عليك أن تعلم أن العلاج الحقيقي والمعالج الأمين النبيل الضعيف إلى الله هو ما يوجهك إلى الطريق ويربطك بخالقك رباطا قويا، ولا يربطك به ولا بدواء، لأننا جميعا ضعفاء ومعرضون للابتلاءات، وجميع بحاجة إلى الله الغني عن خلقه!
ابحث في داخلك عن القوة، وتذكر أنك مخلوق، ومن يحاول أن يسيطر عليك هو مخلوق، وتملك من القوة ما لا يملكه، بيدك مفاتيح القوة وليس أسرارا مكتوبة على جدران مغارة لا تفتح بابها إلا للعارفين والأولياء في ليلة عمياء. فهناك من عباد الله من لا يقدرهم الناس ولا يلقون لهم بالا.
إذن القدرة التي نتكلم عنها، والشرف الرفيع ليس حكرا على أحد من الناس، بل بيد الله وله فيها أسبابه.
إذن هل ستدخل أم ستبقى خارج الباب وتعلق على نفسك أوسمة المرض وأنت قادر على أن تستبدل بها الخير؟
تذكر قدرة الله التي منها نستمد عزيمتنا وقدرتنا، ولقد وضع بين أيدينا سر الأسرار ونور الأنوار كتاب الله الكريم الذي أنزل بليلة مباركة على نبيه الكريم، وعليه اجتمع الخلق، ومنهم الجن، فماذا قالوا؟ قال تعالى مخبرًا عنهم:
وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ (29) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ (30) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (32) [ الأحقاف، 29 - 32]. وقال تعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا [ الجن: ١ - ٢].
نعم، إنهم يعرفونه إنه كتاب الله ويعرفون أن فيه آيات حرقهم وتدميرهم، فيه آيات تخاطبهم جعلها الله حصنا لعبادة فهو العادل الذي لا يقبل أن يبغى أحدا على أحد، فهل علمنا قيمة هذا الكتاب الذي قال فيه ربنا عز وجل:
لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [ الحشر: ٢١]. لذا وجب علينا أن نَفِرَّ إلى الله الذي لا ملجأ منه إلا إليه فهو القائل: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [ التوبة: ١١٨].
وعلينا أن نتذكر أننا لو علقنا آمالنا على غير الله لحل بنا كل مرض، ولن نجد علاجا أبدا! نسأل الله أن يشرح بالإسلام صدورنا وبنور به قلوبنا، قال تعالى:
فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ [ الأنعام: ١٢٥].
بحول الله نحن في طريق العلاج لو تم تنشيط القدرة لتولي القيادة في حياتنا، أنا عبد الله (أمة الله) خلق من خلق الله ولا قدرة لمخلوق على مخلوق إلا بإذن الله، هل تعرفت على نفسك أكثر؟


الجزء العاشر:
هل ما يقولون عنك صحيح؟؟
أسباب الشفاء.
أسباب الشفاء مرتبطة بأسباب الابتلاء، وعلينا التعامل بالحكمة ومحاولة التفهم لماذا وقعنا أو أوقعنا في الابتلاء؟
من يشرح لنا لماذا؟
من هذا الذي يفسر لنا الابتلاء وما حل بنا وما نعانيه؟؟
إنه جزء من الابتلاء لأن الشيطان هذا العدو الذي يقود جبهته بكل مكر وقذارة ليذل هذا الإنسان ويفرق بينه وبين عبادته لله، ليشككه في الله وفي من حوله! ليدعه يائسا فاقدا للثقة بربه وبمن حوله.
قائمة بأسماء المرض والحالات وهو الذي يصنف ويعطينا اسم المرض ونحن نسير في الاتجاه ونطبق الخطة حسبما وضعت لنا!
اسمح لي بأن أسأل سؤالا؟
هل المسألة هي مجرد بحث عن عذر للفشل الحياتي الذي نعيش؟
هل نعيش حالة من التعاسة نبحث عن المبررات ونضع اللوم على الآخرين بأنهم الذين سببوا لنا هذه المصائب؟
هل حقا نحن في كل الأحوال مظلومون؟
هل ما نمر به من مرض وابتلاء عقاب لنا بلا ذنب ولا مبررات؟
هل نحن ضحية لغيرنا أم ضحية لجهلنا وكثرة ذنوبنا وبعدنا عن الله؟
علينا أن نراجع أنفسنا ونضع يدنا على العلة وكيف تسببت ومنها ننطلق لنعيش هذا التحدي!
نعم التحدي!
من يقبل أن يناديه الناس أو يصنفوه ولا يملك إلا أن يقول هم وهم وهم!
يقولون عني: مريض نفسي!
يقولون عني: معقد!
يقولون عني: غير اجتماعي!
يقولون عني إني مجنون!
ويقولون ويقولون!!
ألا تشعر بالحزن وأنت تقول ذلك أو تسمع عما يقال عنك؟؟؟
هل تقبل بالهزيمة؟
هل ما يقولون عنك صحيح؟؟
هل أنت فرح بذلك وتبحث فقط عن عزاء وساحة للدعاء عليهم؟؟؟
ألا يهمك اسمك؟؟
أليس بك غيرة على نفسك؟؟؟
هل تستسلم لكل ما يقال عنك وتقبل بالحكم؟
هل تريد من الآخرين أن ينقذوك ويشكلوا جبهة دفاع عنك؟؟
وأنتَ؟
من أنتَ؟؟
أين غيرتك وإرادتك؟؟
أين عزيمتك؟؟
ألا تتمنى أن تكون سليما معافى وتشعر برضا الله ورحمته؟؟
ماذا تنتظر؛ أن تسمع أصواتا من حولك وأحدهم ينادي صلاة الجنازة؟؟؟
وأنت الممدد هناك، وتكون بهذا أسدلت الستار على نهاية قصة حزينة عاشها إنسان بكل تعاسة مريضا نفسيا معقدا ارتاح وأراح العالم منه؟؟؟
هل هذا ما تنتظر؟؟؟
ألا تتمنى أن يكون لك بيت؟؟
زوجة طيبة جميلة صالحة تنتظرك على الباب؟؟
ابن كالقمر وبنت كالنجمة ينتظران عودة أبيهما بالهدايا؟؟
ألا تحب أن تسمع ابنك يناديك يا أبي؟؟
ألا تحب أن تسمع طفلتك الجميلة تطرق عليك الباب لتقول لك يا أبي صديقك في الباب يقول أسرع لنلحق بصلاة التراويح؟؟
أترك لك الجواب للتعرف على نفسك!
بحول الله نحن في طريق العلاج لو تم تنشيط القدرة لتولي القيادة في حياتنا، أنا عبد الله (أمة الله) خلق من خلق الله ولا قدرة لمخلوق على مخلوق إلا بإذن الله.

الجزء الحادي عشر:
لماذا أصابني أنا وحدي ولماذا لم يصب به غيري؟ المسألة ليست حظوظا!
وخير رد هو لرسول الهدى الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم يقول:
(احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ، يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وَإِذَا سَأَلْتَ، فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ، فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، قَدْ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَوْ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ جَمِيعًا أَرَادُوا أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللهُ عَلَيْكَ، لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللهُ عَلَيْكَ، لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَاعْلَمْ أنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)( ).
يعتقد بعض الإخوة أن البلاء إذا أصابهم هو عقاب لهم وأنه لم يصب غيرهم، وكأنه يريد أن تصاب الأمة كاملة حتى يشعر بالمواساة! فمن الذي عاش دون ابتلاء؟ ومن يضمن أنه لن يصاب بابتلاء في حياته؟ ولماذا المقارنات ونحن نعلم أن حياتنا بكل ما فيها بيد الله، قال تعالى:
مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [ النساء: ٧٩].
فهل استثنوا الأنبياء من ابتلاء الله صلوات الله عليهم جميعا وهم خير خلقه وأكرمهم؟؟ لقد كانوا أشد الناس بلاء في الدنيا، فقد أخرج أحمد قال:
حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةَ، حَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ قَالَ: فَقَالَ: (الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ، فَالْأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ)( ).
وهذا نبي الله أيوب عليه السلام، يقول تعالى عنه:
وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ [ الأنبياء: ٨٣ - ٨٤]. وقال كذلك: وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لّا إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ [ الأنبياء: ٨٧ - ٨٨].
فمن يملك كشف السوء والبلاء غير الله؟ قال تعالى:
أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلا مَّا تَذَكَّرُونَ [ النمل: ٦٢]. تعالوا نستمع إلى كلام ربنا عز وجل في هذا الباب ونتذكر شيئًا من محتوياته؛ لأن الذكرى تنفع المؤمنين، قال تعالى: وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [ يونس: ١٠٧]. فلماذا يتأخر بعض المرات كشف السوء، ندعو ولا يستجاب لنا؟؟ لأن الله أعلم بنا وأننا في بعض الأحوال لا نريد منه سبحانه وتعالى إلا أن يكشف عنا السوء!
وبعدها إلى أين سنهرول؟
إلى أوكار السوء؟
إلى إيذاء أنفسنا والاعتداء على خلق الله؟
الله أعلم بنا من أنفسنا! فهو القائل سبحانه وتعالى:
وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [ المؤمنون: ٧٥]، وبعد الإصرار والعهود وإثبات الإيمان وحسن النوايا والتضرع لله العلي القدير نقول: رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ [ الدخان: ١٢].
انظروا ماذا كانت النتيجة في أغلب الأمم بعد أن كشف عنهم العذاب ورفع عنهم الابتلاء! قال تعالى:
فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ [ الزخرف: ٥٠]، وقال: وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [ يونس: ١٢].
سبحان الله في عظمته وقدرته، فهو أعلم بنا من أنفسنا وأقرب إلينا من حبل الوريد، يعلم ما تخفي صدورنا وما توسوس به أنفسنا!
ومع هذا يرحمنا ويعطينا الفرص بعد أن نكون فقدنا كل أمل وضاقت بنا الأرض على سعتها!
لماذا تكون علاقتنا بالله مبنية على الابتلاء فقط؟
لماذا لا نعرف الله إلا في وقت الشدة؟
يعلم الله كم ظلمنا أنفسنا وظلمنا غيرنا وكنا سببا في أحزان الآخرين وتطاولنا على الله وعلى خلقه، فلم تنفع معنا الذكرى ولم نتوقف حتى طرق الابتلاء بابنا!
رحم الله القائل: (من لم يأت الله بملاطفات الإحسان سيق إليه بسلاسل الابتلاء)، وسبحان الله العادل الذي لا يظلم أحدا من خلقه لأن العدل من صفاته، وهو القائل:
إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [ يونس: ٤٤].
أليس أرحم لنا أن نكون شاكرين حامدين عارفين لحقوق الله وحقوق خلقه؟، يقول تعالى:
مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا [ النساء: ١٤٧]، وقال سبحانه: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [ إبراهيم: ٧]. نسأل الله أن نكون من الشاكرين العابدين ولا يبتلينا ببعدنا عنه وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
بحول الله نحن في طريق العلاج لو تم تنشيط القدرة لتولي القيادة في حياتنا، أنا عبد الله (أمة الله) خلق من خلق الله ولا قدرة لمخلوق على مخلوق إلا بإذن الله.
هل تعرفت على نفسك أكثر؟
إذا لم تشعر بأي تحسن إلى الآن، فاعلم أن علاجك في كتاب آخر وبأسباب أخرى.


الجزء الثاني عشر:
أمراض القلوب تسبب حالات نفسية ومنها الوسواس!
تعبت من المحاولات لكي أصبح نجما محبوبا أسرق الأضواء وأكون محور الحديث، لقد جربت كل الطرق لألعب دور البطل ولم أفلح؟ هناك زملاء لي لديهم حظ أكثر مني وأنا حالتي المادية أحسن منهم وأنا أجمل منهم؟
هل هذا هو الهدف الأسمى في الحياة؟
مقارنات ومنافسات وربما نصل لحسد الآخرين ونحاول إلغاءهم وتشويه سمعتهم لأننا لم نستطع التغلب عليهم ونكون أحسن منهم!
هذا هم كثير من شباب اليوم، وليس له إلا البحث عن غريم وكأنه لا يشعر بقيمته إلا إذا قيمه الآخرون، وأن تسلط عليه الأضواء.
فماذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النسب وارتباطه بالعمل، قال كما في سنن أبي داود:
(مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ - وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ فِى عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِى عَوْنِ أَخِيهِ)( )، وزيادة عند أحمد: (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ)( ). وحظنا من هذا الحديث قوله: (وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ)، فلا نجعل من أنسابنا ولا من مستوانا المادي ولا من أشكالنا شهادة نزكي بها أنفسنا ونحاول تتميم نقصنا؛ فكلنا مبني على النقص والكمال لله وحده. وفي الحديث أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله دلني على عمل إذا أنا عملته احبني الله واحبني الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ازهد في الدنيا يحبك الله عز وجل وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس)( ).
إذن لدينا البديل! وهو محبة الناس لا كرههم وصداقتهم وليس عداءهم، واعلم أن خير الناس أنفعهم للناس، والراحمون يرحمهم الله. قال صلى الله عليه وسلم:
(مَنْ أَعْطَى لِلَّهِ تَعَالَى، وَمَنَعَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَأَحَبَّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَأَنْكَحَ لِلَّهِ تَعَالَى فَقَدِ اسْتَكْمَلَ إِيمَانَهُ)( ).
هذه مقاييس الله في الحب والبغض وعليه يكتمل الإيمان، واعلم أن الحقد والكراهية والحسد تقتل قلب صاحبها ولا يضر الناس شيئا، وكما قيل: "لله در الحسد ما أعدله بداء بصاحبه فقتله".
على الإنسان أن يمضي إلى أهدافه المشروعة في الحياة بالطرق المشروعة وأن يجتهد ليغير من مستواه لا أن ينشغل بالآخرين محاولا إقصاءهم وتبديد طاقته وكيف يقهرهم ويفوز عليهم.
هناك غيرة إيجابية تدفعنا للمنافسة الإيجابية والاستفادة من غيرنا لنرتقي بمستوانا ونحسن من ثقافتنا، ولكن ليس لدرجة أن نصاب بالوسواس ونملأ هذا القلب بالحقد والكراهية!
إن الثروة الحقيقية هي العلم!
فكم كتابا نقرأه في العام؟
ما المواد التي نقرأها؟
ما مستوى الثقافة العامة عندنا؟
ما خبراتنا وتجاربنا وقدراتنا على الحلول؟
ما الأدوات التي نستخدمها لحل مشكلاتنا؟
ما مشروع حياتك وما مواردك لتحققه؟
هل أنت راض عن نفسك؟
هل تكره طولك أو وزنك أو أنفك؟
هل أنت راض عما اختاره الله لك؟
هل تستطيع أن تغير قدرك؟
نعم! هناك طريقة واحدة، وهي أن تتخلص من كل الذين حولك لتبقى بلا منافسة، قال تعالى:
اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ [ يوسف: ٩].
فهل في القتل صلاح، أم أن الغاية تبرر الوسيلة؟


الجزء الثالث عشر:
هناك نوعية من البشر عندما تقع في مأزق أو يقترب الامتحان تصاب بالتوتر والانفعال أو تخاف من مقابلة والديها بنتائج غير مرضية أو لأسباب خوف أخرى، منها إيجار البيت، علاج الأولاد، تسديد قيمة شيك مثلا.
أليس أولى أن نعد العدة ونحضر أنفسنا قبل أن نصل إلى عقدة القصة وعندها تقع الواقعة ونبدأ بحرق الأعصاب وإلقاء التهم على الآخرين؟ إننا في تكرار هذه المواقف ننتقل إلى حالة قائمة وتصبح جزءا من حياتنا، ونفرّ بعدها نبحث عن العلاج، رغم أننا صنعنا عقدتنا بأيدينا!
السبب هو الإهمال والاتكال وترك المسائل والحلول للحظة الأخيرة، فلماذا لا نوفر على أنفسنا كل هذه المضايقات ونجتهد في الحل ونعد له قبل أوانه، وسنشعر حينها أننا لسنا بحاجة إلى الحبوب المسكنة ولا لعن الناس والحظ، وصدق القائل: "أن تشعل شمعة خير من أن تسب الظلام" و"لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد"، فمن يشترِ راحة البال يَنَمْ قريرا حتى وإن كان فقيرا.
ما المضاعفات التي تحصل للإنسان عندما يكون لديه موعد أو ساعة الدخول إلى المدرسة أو سفر بالطائرة ويصل متأخرا؟
في الحالة الأولى سيقوم بالاعتذار وربما اختلاق قصة غير حقيقة (يعني كذبا)، وكان أولى أن لا يعتذر ولا يكذب ويصل قبل الوقت وينال احترام الناس وتقديرهم!
في الحالة الثانية قد تطرد ذلك اليوم من المدرسة، وربما تفقد الامتحان وحتى لو سمحوا لك بالدخول ستفقد شيئا من وقت الامتحان ولا أعتقد أن حالتك النفسية ستكون عونا لك وستفتح لك باب الإلهام وتجيب عن كل الأسئلة بأجوبة سليمة؟
في الحالة الثالثة هناك عدة احتمالات، ومنها أنك قد تتقاتل مع شركة الطيران ويسمحون لك بالمرور إلا أنه قد تكتشف أنك نسيت جواز سفرك بالبيت بسبب التأخر والعجلة!
أما المعدة يكفيها قرحة والأعصاب وارتفاع ضغط الدم والله يسلم أن لا تقوم بعمل حادث بسبب الارتباك والسرعة! ألا تعتقد أننا نحن الذين نصنع أمراضنا وعقدنا بأيدينا.

الجزء الرابع عشر:
كل الناس غشاشة وكذابة ومنافقون ولم أعد أذهب إلى المسجد بسببهم، لأني رأيت بعضا منهم يصلون وبنفس الوقت في معاملاتهم يكذبون!
هل هذا سبب كافٍ لهجرة بيوت الله والإعراض عن عبادته؟
وهل ازددت إيمانا في بيتك وتحافظ على صلواتك؟
هل تركت المسجد لهم؟، قال تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [ طه: ١٢٤].
أم أنك تبحث عن سبب لهجر المساجد وتبرير غير مقبول لتواري عيبك لأنك مبتلى بحب الدنيا؟ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ:
(قُلْنَا: يَا نَبِيَّ اللهِ مَنْ خَيْرُ النَّاسِ؟ قَالَ: " ذُو الْقَلْبِ الْمَحْمُومِ، وَاللِّسَانِ الصَّادِقِ " قَالَ: قُلْنَا قَدْ عَرَفْنَا اللِّسَانَ الصَّادِقَ فَمَا الْقَلْبُ الْمَحْمُومُ؟ قَالَ: " التَّقِيُّ النَّقِيُّ الَّذِي لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا حَسَدَ "، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ فَمَنْ عَلَى أَثَرِهِ؟ قَالَ: " الَّذِي يَشْنَأُ الدُّنْيَا وَيُحِبُّ الْآخِرَةَ "، قُلْنَا: مَا نَعْرِفُ هَذَا فِينَا إِلَّا رَافِعَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَنْ عَلَى إِثْرِهِ؟ قَالَ: " مُؤْمِنٌ فِي خُلُقٍ حَسَنٍ "، قُلْنَا: أَمَّا هَذِهِ فَفِينَا)( ). فاعلم أن القلب الفارغ من الإيمان يبتلى بحب الدنيا وبحب الصور، وصاحبه لا يملك إلا كثرة الكلام عن نفسه وإن جلست معه لا تسمع سوى قصص وهمية ومبالغ فيها ويظل يكررها متعبدا بنفسه ثرثارا فقد السيطرة على نفسه وفقد الضوابط والحدود، ولم يعد يملك رادعا واحدا ولم يعد يسمع أي إنذار داخلي بأنه تجاوز المعقول، العند الفارغ وأقسام وأحلاف وشهود وهميون لإثبات غير المعقول، انتقل من المبالغة إلى الكذب فسلعته رخيصة وليس هناك من يشتريها؛ فَقَدْ ضَيَّع الأصحاب والأحباب وأصبح منبوذا لا يملك إلا شتم الناس ونعتهم بأسوأ النعوت، عودته إلى الحياة صعبة فقلبه أقرب من أن يطبع الله عليه فلا أمل له ولا حظ ولا نصيب!
هو أعرف الناس بالحلال والحرام.. الفتوى لاصقة بلسانه يفصل كيف يشاء، خبير في الطب وعالم في الفلك ويعرف علة السيارة لمجرد سماع صوت المحرك ويعطيك وصفة طبية لكل مرض محلل رياضي وطباخ ماهر سياسي محترف وخبير في الاقتصاد!
هذه نسخة متوفرة كثيرا في هذا الزمن ويحبهم الشيطان ويزين لهم أعمالهم ويبارك لهم فتاواهم حتى يسقطوا سقوط البعير.
إن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب وكما قال عليه الصلاة والسلام:
(مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ)( )، فكثرة الكلام ليست فراسة؛ فكثير الكلام كثير الأخطاء، وقالوا: إن من الحكمة السؤال أكثر من الإجابة، والاستماع أكثر من الكلام.
ما السبب؟
يظن البعض أن في هذا رفعا للمعنوية وتعبيرا عن الثقافة وتقديم أنفسنا إلى الناس ليقدرونا! ممكن ولكن أين؟ في محيط الجاهلين ومجالس المساكين الغافلين! من هنا يبدأ انفصام الشخصية ولبس ثوب المهرجين والغناء على كل وتر.. هذا مضحك وهذا حزين!
عدة وجوه لشخص واحد وطرق متعددة في التعامل مع الناس، ولكل منهم ابتسامة ومقابلة على قدر مستواه الاجتماعي!
فن وشطارة وكيف نبيع أنفسنا لكي نصبح مقبولين وطرق حزينة للوصول بها إلى قلوب الآخرين!
بقايا إنسان!
بقايا إنسان! قال تعالى:
وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً [ الإسراء: ٧٠]. فهذا هو الإنسان الذي كرمه الله وخلقه في أحسن تقويم يعود أسفل سافلين في بعده عن الله، لأنه انتقل من عبادة ربه إلى عبادة نفسه وعبادة المخلوقات والدينار والدرهم!
فمن أين دخلت علينا الحالات والأمراض؟
لو سألت طبيبا نفسيا: كم نوعا من الأدوية لمعالجة الأمراض النفسية؟
سيرد عليك فقط: الله وحده يعلم بعددها!

الجزء الخامس عشر:
يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
(الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ)( ).
ولكن: إن لنا اليوم في الحب معايير ومقاييس، ويعتقد البعض أنه قادر على كل شيء وأنه يستطيع أن يصل إلى قلب كل فتاة، وأنه قادر على تغيير الأقدار!
منهم من يبقى يعبث في خلق الله ويطبق عليهن خطط البعد والقرب وترتيب الصدف واستخدام كلمات جميلة وعاطفية، حتى يرسل الله له فتاة تصفي حساب جميع أخواتها اللائي ظلمن على يد هذا "القيس" الزائف و"العنتر" الفاسد!
طب القلوب! والله وحده يعلم صعوبة هذا الباب وكم ساق من الشباب والشابات في عمر الورد إلى عالم الانتحار والمخدرات!
ومنهم من أراد الوصول لغايته بأي طريقة وبأي ثمن فراح يبحر جهلا في بحر الطلاسم وكتب الشعوذة! وكتب أسماء الجن وعلقها ورددها، وأراد أن يرسل رسائل ذهنية وبات ينتظر ساعات قمرية وشمسية! ويقول سبحانه:
وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [ الجن: ٦].
كل ذلك من أجل قلب امرأة، ويسميه حبا عذريا، وآخر سجل مكالمة لها أو صورها وراح ينشر صورها وفضحها بين أصحابها وأهلها!
كما تدين تدان!
عنوان اللعبة: أبحث عن زوجة!
تجارب وخطط للوصول إلى القلوب! وبعد نيل المراد ما النتيجة؟ ما أعجبتني!
ولكن لتبقَ ذاكرتك قوية وعقلك حاضرا فقد تم توقيع ابتلائك في السماء، وأنه لمبني على العدل فهناك ضدك ألف شكوى وشكوى وعليك ألف دعاء ودعاء، فكم مسكينة عبثت بقلبها، وكم شريفة عبثت بعذريتها، وكم متوسلة ما رحمتها بعد ما أوقعت بها؟؟
ويقول فارس الزمان: إن البنت السهلة لا يتزوج بها، ويقول أيضا: ويعلم الله من كان قبلي ومن سيأتي بعدي!
آه يا سيد القذارة والفساد لو تعلم ماذا يفعل أمثالك بالأمة!
نعم، من يحاسبك؟ ليس هناك شهود ولا إثباتات وليس هناك فتاة قادرة على أن تفضح نفسها!
بكل بساطة تعتقد أن ملفات الظلم ليس عليها شهود والله خير الشاهدين، وتظن أنك ستفلت من الحساب؛ تعبث ولا تتزوج!
نعم، لن تتزوج بها ولا بغيرها؛ فعروسك الجديدة ربما ستكون من هذه القائمة:
الحزن، الوسواس القهري، السحر، المس، اللبس، المخدرات، الكحول، الانتحار، ويبدأ المشوار بين الطب النفسي والرقية؛ فالرحلة طويلة.. اربط حزام الأمان يا مسكين!
ها هم أحضروه وفي عينيه قهر وذل رجل غريب عن نفسه!
لا يستطيع النوم وحده، ولا يخرج ليلا، فهو يخاف من الظلام محاط بالأدوية وبالماء والزيت المقروء عليه، والله يعلم كم ستطول رحلة المعاناة للخروج، ومتى يوفقه الله ليلتقي بالعلاج والمعالج الذي مكتوب على يده الشفاء؛ فهم جميعا مسخرون لأمر الله!
ولكن بعد أن يتم قبض كل دعاء دعاه به الناس إلى ربنا! ولا يظلم ربك أحدا!
إن أقلهم ظلما لا يتوقف عن قول: "حزين حزين حزين"، ولا أعلم من أين يأتي هذا الحزن؟
فالحزن والاكتئاب هما آفة العصر المدمرة وأوسعها انتشارا في العالم ما بين الآفات النفسية، فمن أين يأتي وكيف وصل إلى النفوس؟
الجواب عند رسول الله عليه الصلاة والسلام، حيث قال:
(إِذَا كَثُرَتْ ذُنُوبُ الْعَبْدِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُكَفِّرُهَا مِنَ الْعَمَلِ، ابْتَلَاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالْحُزْنِ لِيُكَفِّرَهَا عَنْهُ)( ).
إنها ذنوبنا المسجلة في كتبنا، منقوشة في ذاكرتنا قصص حزينة يوم كنا أبطالا وهميين نختال بأنفسنا وبصنيعنا الفاسد!
وانقلب السحر على الساحر!
هذه تقسم أنها ستطلق هذه من زوجها!
وهذه تقسم أني سأجعله يكلم نفسه في الطريق وأجعله مضحكة للناس!
وأخرى تقسم أنه لن ينظر في وجه ابنة عمها أحدا!
إنه الانتقال من الحسد إلى السحر! تدمير البيوت وتعطيل الزواج والطرد من العمل والتفريق بين الأزواج، والقائمة طويلة، والسحرة ينتظرون والشياطين جاهزون؛ فهي لهم أكبر صفقات الكفر والشرك بالله.
عدل الله لا يكفيهم، ولا عندهم قدرة على الصبر، ولأقل الأسباب البحث عن أسرع وأقذر وسيلة للانتقام!
حسدا وغيرة عمياء لتأخر الزواج وكل له سببه الواهن!
كيف للمسلم أن يقبل على نفسه أن يكون وليا للشيطان؟
كيف يرفض عدل الله وقدره؟
كيف يقبل الإنسان المسلم أن يبيع دينه لينتقم ظلما من أخيه أو أخته المسلمة؟
كله من أجل مقاصد دنيوية قذرة!
هل أشفيت غليلك، هل مارست حسدك وحقدك، هل حققت مقاصدك؟
هل تشمت بضحيتك وأنت تعلم أن ما فعلته ظلم وكفر بالله، وشرك به؟
كلنا يعلم أنه لا يتم شيء إلا بإذن الله وله فيها أسبابه! فهو القائل:
وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ [ البقرة: ١٠٢].
المظلوم ينصفه الله ويرفع درجته وييسر له أسباب الشفاء!
أما الظالم؟ قد خسر دينه وأغضب ربه وكفر به وتوكل على غيره!
أما أنه لا يعلم أن حارس السحر من الجن عندما تقترب نهايته إما أن يدل الإنسان المسحور على مكان السحر أو يعود انتقاما على من فعله!
وكما تدين تدان، وهل تملك أن ترفع يديك إلى السماء متضرعا تطلب الله الشفاء والفرج وذاكرتك ترسل لك صور المعاناة التي سببتها للآخرين حسدا وظلما؟
ألا تستحي من الله وأنت كفرت وأشركت به وعذبت مخلوقاته وسببت لهم المصائب؟
لا تظن أن المسألة ستنتهي بالتوبة، إنما لن تكون إلا بعد أن يأخذ الله حق هؤلاء الذين ظلمتهم!
ولا تظن أن الشرك بالله مسألة بسيطة تنتهي بقول: تبت إلى الله! قال تعالى:
إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيدًا [ النساء: ١١٦].
من كان مظلوما فليحتسب لله وليترك حساب الظالم لله، ولا يدع الحقد يعمي قلبه ويخسر دينه لأنه إن لم يفعل فستكون النتيجة تساوي الظالم والمظلوم! ولا يظلم ربك أحدا.


الجزء السادس عشر:
من أين يأتي الحزن وأنا متأكد من نفسي أني لم أظلم أحدا ولم أعتدِ على أحد!
تعالَ نفتح الذاكرة علنا نهتدي: من أين هبت هذه العاصفة فقلعت خيمة السعادة وقلعت أوتاد الاستقرار وإذا بنا نفتح أعيننا في العراء مرعوبين ممرغين!
انقلاب في مشروع الحياة التي رسمناها بدقة ووضعنا ديكورها بفن فمن أين جاءتنا هذه المصيبة؟
كنا صغار السن وليس لدينا خبرة ولا نعرف قيمة الأشياء والأخطاء، وكان عندنا زميل مدرسة شكله مضحك قليلا ننتظره يوميا لنعلق عليه ونلقي عليه النكات، وسببنا له عقدة من المدرسة وبهذا ترك الدراسة!
وآخر كان اسمه عبد الله فأعطيناه اسما فنيا لنتسلى، لأن شكله كان سمينا وقصيرا فألصقنا به اسما مضحكا واستبدلنا اسمه من عبد الله إلى (عبودي أو عبوش وغيرها من الأسماء المضحكة) وبهذا لصق به الاسم طيلة فترة الدراسة، ابتلع حزنه وقهره وتابع الدراسة مرغما وتعوَّد على الاسم مجبرا، لأنه لم يجد طريقة ليزيل هذا الاسم عنه!
وكان لنا جارة تدرس معنا في نفس المرحلة نراها يوميا أنا وزملائي في طريق الذهاب للمدرسة والعودة إلى البيت فتراهَنَّا عليها، كانت بنتا مؤدبة ولا تتداخل مع أحد، كانت خجولة تضع عينيها في الأرض عندما تسير في الطريق!
بقينا خلفها وتصديت أنا لها بخبرتي وبقيت أراودها عن نفسها حتى نلت منها وكسبت الرهان!
نسيت أنها أختي المسلمة وأنها جارتي ولم أكن في نفس التفكير الذي أنا عليه الآن، لقد كنا شبابا طائشا ولا نعرف قيمة هذه الأمور وحرمتها!
اعتقدت أن كل شيء انتهى في وقته؟!
لا يا صديقي!
ليس بالسهولة التي تعتقد!
إنه من السهولة عند البعض أن يفعلها ولا يتذكر أن في كتابه شكاوى كثيرة كبيرة وصغيرة معلقة لأمر الرب العادل أن يحكم بها، ومنها حزن هؤلاء الذين سببنا لهم القهر والحزن!
ولا يظلم ربك أحدا! قال تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [ الحجرات: ١١].
معرفة السبب تساعد في العلاج، لأن التوبة مربوطة بالطرف الثالث الذي سببنا له ابتلاء بجهلنا أو بعلمنا!
وتساعدنا في تقويم عقيدتنا الشخصية وتفتح عيوننا على ما كنا نحسبه هينا وهو عند الله عظيم!


الجزء السابع عشر:
فصل في أسباب الشفاء!
إن التوبة النصوح سبب رئيسي في الشفاء، وما دام في قلب الإنسان حنين للمعصية وهو يعلم أنها هي التي سببت له هذا البلاء فلا ينتظر الشفاء ولا يتعب نفسه في طلبه!
ما دام الإنسان في قلبه كبر ولا يقبل التنازل بالاعتذار أو طلب السماح أو رد الحق لمن ظلم فلا يتعب نفسه في طلب الشفاء!
رد الحقوق ورفع الظلم قبل البدء في البحث عن الشفاء، ومن لا يفعل ذلك إنما يضع حمله على العلاج والمعالج وليس على الله، فهو أعلم بأن الله لا يشفي ظالما!
لماذا العند وتناول الحبوب والأدوية والبحث عن معالج والسفر في عالم الوصفات وأنواع الرقية والأدعية المستجابة والإنسان يعلم أن عليه حقا ودينا وجب عليه تسديده وعليه مظلمة وقادر على رفعها عنه برد الحق لصاحبه؟
فماذا يستطيع أن يفعل المعالج بغير الله؟
أي آيات تنفع بلا إذن الله؟
أي رقية تفيد من دون أمر الله؟
أي علاج يشفي من دون أمر الله؟ قال تعالى:
كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) [ المدثر: ١٦ - ٢٣].
ثم أدبر واستكبر، يروغ مكرا عن الحقيقة وهو أعلم بها والمعالج يتابع معه يسأله: هل تحسنت؟ والنتيجة: لا!
وأغلب هؤلاء لا يعود للمعالج وينتقل إلى آخر إذا ازدادت الحالة!
إنها رحلة الشقاء لأننا نحتاج أولا أن نعالج ضميرنا وسلوكنا ونزيل الكبر من نفوسنا وندع الكبرياء الفارغ وندع الظلم الذي نظلم به أنفسنا وغيرنا!
فالظلم ظلمات ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله:
عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال:
(يا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ)( ).
ونعم بالله، ولا يظلم ربك أحدا!
معرفة السبب تساعد في العلاج لأن التوبة مربوطة بالطرف الثالث الذي سببنا له ابتلاء بجهلنا أو بعلمنا!
وتساعدنا في تقويم عقيدتنا الشخصية وتفتح عيوننا على ما كنا نحسبه هينا وهو عند الله عظيم!


الجزء الثامن عشر:
فصل في الإيمان!
الإيمان هو جدار الحماية للإنسان خصوصا من إصابات الجن!
كيف يثبت وأين محله ومتى يرفع عن الإنسان؟
نعم يرفع ويبقى معلقا لأمر الله وشرطه التوبة النصوح!
وهو عهد نوقعه مع الله سبحانه وتعالى؛ أن نسير على المنهج الذي وضعه لنا، أن نحل حلاله ونحرم حرامه ونجتنب متشابهه، هو عهد بنوده مقسمة بين حق الله على العباد وحق العباد على الله!
فمن نقض العهد مع الله رفع عنه حق الحماية والولاية، وتركه عرضة للاعتداء والابتلاء من أعدائه، ومنها إصابات الجن التي لا ينفع معها طب ولا أطباء فهي إصابات لا تعالج بدواء لأنها أمراض روحانية وليست عضوية، وليس من السهل تشخيصها ولا تصنيفها إلا من قبل قلة قليلة فتح الله عليهم بهذا العلم، وإذا انعكست الإصابة على الأعضاء تكون بسبب تأثر النفس والعقل وانشغالها بهذا الهم الذي طرأ في حياة المصاب فأهملا حقوق هذا البدن فالنفس والعقل يعملان على إدارة واجبات وأعمال هذا الجسد والحفاظ عليه، فإن أهمله صاحبه تترتب عليه الأوجاع والأوهام، فيتغير طعامه وشرابه ونومه وحقوقه الكاملة ويختل التوازن في الجسد وتبدأ معه الآلام والانشغال بعلاجها دون رفع الأسباب لعدم العلم بها!
أما محل الإيمان فهو القلب لقول الله عز وجل:
قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [ الحجرات: ١٤].
إذن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل فتعالوا نتعرف على علاقة هذا القلب بجوانب الحياة التي نعيش!
إن القلب هو موطن الفهم والإدراك لقوله تعالى:
وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [ الأعراف: ١٧٩]، وهو موضع الذكر والغفلة، كما قال الله تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [ الكهف: ٢٨].
وعرفنا الله سبحانه وتعالى أيضًا أنه موضع الطمأنينة، فقال:
الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [ الرعد: ٢٨]. وأنه موضع الفزع، فقال سبحانه: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ [ الأنفال: ١٢].
وهو محل تدبر الذكر، قال تعالى:
أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [ محمد: ٢٤]. وهو أيضا موضع السكينة، قال سبحانه: هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [ الفتح: ٤].
إذن كيف يرفع؟
قال الرسول عليه الصلاة والسلام:
(لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ)( ).
إذن ما إن يقبل الإنسان على الزنى ويقع فيه حتى يرفع عنه الإيمان، وقالوا إنه يتنحى عنه جانبا حتى يتوب ويعود إلى الله تائبا نادما عازما ألا يعود إليه!
وعندما يرفع الإيمان عن الإنسان ترفع عنه الحماية، وهنا يبدأ الهجوم عليه من كتيبة الشياطين.
سبحان الله، كيف تعرف الشياطين أن هذا قد رفعت عنه الحماية.
أولا: لأن الإيمان يشكل جدارا روحانيا أشبه بالهالة النورانية التي تحيط بالجسد ولا تراها العين البشرية، بل تحسها وتستأنس بها، وعرفها الطب النفسي بالطاقة الإيجابية والسلبية ويتأثر بها من حوله!
ثانيا: أن من أوقع هذا الإنسان بالزنى هو الشيطان نفسه فكيف لا يعرف أن صاحبه زاني!
أوقع الإنسان في الزنى وأخرجه من دائرة الإيمان والآن أصبح ضحيته وفريسته السهلة ليطبق عليها كل الأوهام والتشكيك والخوف ويجتهد عليه كل الاجتهاد بأن لا يتوب إلى الله فيرد إليه جدار الحماية!
يزين الشيطان للإنسان الزنى ويملأ ذاكرته بكل المقاطع التي رافقت عملية الزنى، ويبقى يكررها له حتى يشتاق إلى تكرار العملية، وهكذا تصبح له أمرا عاديا ليس له أي قيمة، ويقول له: عندما تتزوج تتركه وتتوب، وإن كان متزوجا يقول له: انظر الفرق في المتعة فهذه المرأة التي في بيتك لا تشعر معها بالسعادة ولا أن تمارس معها كل الطرق الممنوعة والغريبة، ولا تملك الزواج بغيرها وقضية الأولاد قضية كبيرة ماذا سنفعل بهم لو وقع الطلاق؟ إذن دعنا على هذا الحال حتى نجد لها حلا!
سبحان الله، كيف أصبح الشيطان مستشارا اجتماعيا ويضع الاقتراحات والحلول والمبررات، ويصغر للإنسان الزنى، ويقلل له من أهميته على أنه ليس حاجة كبيرة!
وعن الزني، يقول تعالى ناهيًّا عباده عن الزنى وعن مقاربته وهو مخالطة أسبابه ودواعيه: وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً [ الإسراء: ٣٢].
وعند أحمد: عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ:
(إنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا: مَهْ. مَهْ. فَقَالَ: ادْنُهْ، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا. قَالَ: فَجَلَسَ قَالَ: أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟ قَالَ: لَا. وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ. قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟ قَالَ: لَا. وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ. قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟ قَالَ: لَا. وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ. قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟ قَالَ: لَا. وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ. قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟ قَالَ: لَا. وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ. قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: اللهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ، قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ)( ).
إذن الشيطان يعلم ما هو الزنى، وأنه من أعظم الكبائر عند الله بعد الشرك!
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك.
معرفة السبب تساعد في العلاج، لأنه مربوط بالذنب والتوبة منه!
وتساعدنا في تقويم عقيدتنا الشخصية وتفتح عيوننا على ما كنا نحسبه هينا وهو عند الله عظيم!
بحول الله نحن في طريق العلاج لو تم تنشيط القدرة لتولي القيادة في حياتنا.
أنا عبد الله (أمة الله) خلق من خلق الله ولا قدرة لمخلوق على مخلوق إلا بإذن الله.
هل تعرفت على نفسك أكثر؟
هل تشعر بأنك أصبحت أقرب إلى تولي القيادة كاملة على حياتك النفسية؟


الجزء التاسع عشر:
اعرف ذنبك تعجل بشفائك!
أعتقد أن من تابع الحلقات السابقة أصبح متصلا بنفسه وتنشطت عنده الذاكرة وأصبح قريبا من تولي القيادة وبدأ يلمس الصراع الداخلي حول القيادة والإدارة في نفسه.
إنها مملكتك الخاصة فلا تقبل أن يحكمها غيرك وتصبح فيها مجرد خادم ينفذ الأوامر!
كيف يمكنك أن تصبح مديرا على غيرك وأنت عاجز عن إدارة نفسك؟
كيف لك أن تكون رب أسرة وراعيا لها وأنت تفقد رعايتك لنفسك؟
كيف تعطي أوامر لغيرك وأنت تتلقى الأوامر من عدو وهمي صنعته بنفسك؟
إنه الخوف والوهم الذي سيطر عليك وسلبك الإرادة ونزع منك الثقة بنفسك!
ألا تشعر بالقهر إزاء ذلك؟
ألا تشتاق للحرية؟
ألا تكره العبودية لغير خالقك؟
تذكر أن العبودية لله تحررك من العبودية لغيره!
فهل أقبلت؟
فهل فعلت؟
هل أفقت؟
لو كان يساورك أن تصرخ بأعلى صوتك فافعل!
إن كانت فيك رغبة في سب أحد والتمرد عليه فافعل!
إن كنت تخاف من شيء أو من أحد فاذهب وقابله!
لا تقبل أن تبقى أسير الوهم والخوف!
هل تذكرت أن من أسماء الله: الكبير، العظيم، القوي، القادر، القهار، العزيز، الجبار؟
فكن كبيرا بالله وقويا، وأخرج هذه القدرة التي أعطاك الله في نفسك، وفي كتابه العظيم، وكن عزيزا يرفض الذل لغير ربه، وإلا فالمصحات النفسية أولى بك!
ما أخبار صديقك أحمد؟ أصبح دكتورا ويعمل في المستشفى الكبير!
ما أخبار صديقك خالد؟ فتح شركة ويقوم بالتصدير للخارج!
ما أخبار صديقك حسن؟ ذهب للعمل في الشرطة وهو الآن برتبة عالية!
ما أخبار صديقك عبد الله؟ مهندس في وزارة الزراعة؟
ما أخبار صديقك صالح؟ يدرس في الجامعة متزوج ولديه ولد وبنت!
ما أخبارك؟
ما أخبارك؟
ما أخبارك؟
أخباري عادية وليس هناك الكثير (فشلت في دراستي وأعاني من حالة نفسية وأتعالج منذ سنوات، أتعبت نفسي وأهلي وأعيش على الأدوية شبه معزول ولا أقابل أحدا وهذا قدري!).
إذا لم تشعر بأي تحسن أو أي تغيير حتى الآن اسمح لي بأن أقول لك: انتهى العلاج.

 

? 2011 babalhekmah.org All Rights Reserved