﴿ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة:216]

بسم الله الرحمن الرحيم

رحلة البحث عن الهوية

في رحلة البحث عن ألذات أو الهوية الشخصية التي تمثل الفكر والروح والنفس للإنسان أي الكيان الخاص به, تأخذنا الدنيا رغم كل المحاولات للتمرد على سحرها وإغراءاتها فنصبح مرات من أهلها ولا غرابة في ذلك فنحن أيضا سكانها وجزء ممن يعيشون عليها, فتشعر إن فيها أشياء جميلة كلها حكمة ورسائل تشير إلى جمال الخالق والذي أرادنا أن نتذوق شيء من نعيم الآخرة المقيم ومما ينتظرنا إن كنا يوم من الفائزين, المشكلة في ذلك إننا نضيع في فهمنا وتفسيرنا لهذه الحكمة لنجد أنفسنا إننا من أهل الدنيا ونكاد نقترب من درجة الذين لم ينالوا من حياتهم سوى الدنيا وخسروا كل شيء, فكم هم الذين صبوا جل همهم في الدنيا حتى غدوا عباد لها.

كثيرون هم من يعانون من أزمة الهوية ولا يعرفون كيف يجمعون الدنيا والآخرة رغم إننا نعرف السر في كيفية التوفيق بين الحياتين الدنيا والآخرة, ولكن المهم في هذا السر أن نعمل بمحتوياته وسنذكره هنا للنعش الذاكرة فربما نكون قد نسيناه أو أنستنا إياه الدنيا:

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ".

أخرجه هناد (2/355)، والترمذي (4/642، رقم 2465) وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (2 / 670).

قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي":

(هَمَّهُ) أَيْ قَصْدُهُ وَنِيَّتُهُ.

(جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ) أَيْ جَعَلَهُ قَانِعًا بِالْكَفَافِ وَالْكِفَايَةِ كَيْ لَا يَتْعَبَ فِي طَلَبِ الزِّيَادَةِ

(وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ) أَيْ أُمُورَهُ الْمُتَفَرِّقَةَ بِأَنْ جَعَلَهُ مَجْمُوعَ الْخَاطِرِ بِتَهْيِئَةِ أَسْبَابِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ بِهِ

(وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا) أَيْ مَا قُدِّرَ وَقُسِمَ لَهُ مِنْهَا

(وَهِيَ رَاغِمَةٌ) أَيْ ذَلِيلَةٌ حَقِيرَةٌ تَابِعَةٌ لَهُ لَا يَحْتَاجُ فِي طَلَبِهَا إِلَى سَعْيٍ كَثِيرٍ بَلْ تَأْتِيهِ هَيِّنَةً لَيِّنَةً عَلَى رَغْمِ أَنْفِهَا وَأَنْفِ أَرْبَابِهَا

(وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ) وَفِي الْمِشْكَاةِ: وَمَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ طَلَبَ الدُّنْيَا

(جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ) الِاحْتِيَاجِ إِلَى الْخَلْقِ كَالْأَمْرِ الْمَحْسُومِ مَنْصُوبًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ

(وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ) أَيْ أُمُورَهُ الْمُجْتَمَعَةَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يُقَالُ جَمَعَ اللَّهُ شَمْلَهُ أَيْ مَا تَشَتَّتَ مِنْ أَمْرِهِ. وَفَرَّقَ اللَّهُ شَمْلَهُ أَيْ مَا اِجْتَمَعَ مِنْ أَمْرِهِ, فَهُوَ مِنْ الْأَضْدَادِ

(وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ) أَيْ وَهُوَ رَاغِمٌ, فَلَا يَأْتِيهِ مَا يَطْلُبُ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى رَغْمِ أَنْفِهِ وَأَنْفِ أَصْحَابِهِ.

 

نعم إن من كَانت الآخرة همه أتته الدنيا وهي راغمة, فسبحان الله في هذه المعادلة ففيها سر عظيم يتطلب إيمانا قويا بالله والأخذ به إيمانا ويقينا وعملا, وأصعب ما في هذه المعادلة أن يضيع الإنسان في انتمائه ولا يعلم أين يذهب أو يتردد أو أن يحاول أن يجمعها على طريقته الخاصة, والنتيجة انه لن يفلح بل ستغلبه الدنيا ونفسه وستتكالب عليه شياطين الإنس والجن لكي يضيع الحياتين وهذا واضح في قوله تعالى: ( قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) (71) سورة الأنعام.

إذا أردت أن تختبر إيمانك فاعرضه على هذه الآية الشريفة وهذا الحديث الذي ذكرناه واعرض معها فكرك وهمك عليها فان كان همك الدنيا فتوقف عن المسير في برنامج حياتك لأنه سيلقي بك في نار جهنم ولن تنال منها إلا ما قدر الله لك, وان كنت حيران في أمرك ومتردد في قرارك فاحسم أمرك وخذ بالباقي على الفاني وبالحق على الباطل وبالنور على الظلام فالدنيا دار باطل فانية مهما طال أمدها.

ما أن تقبل بقلبك وفكرك على الآخرة حتى ترى كيف انه سوف تسهل عليك أمور كانت بالأمس صعبة أو ربما مستحيلة, وسوف ترى حكمة الله في هذه المعادلات التي وضعها لنا وما علينا سوى أن نأخذ بكلام ربنا الذي خلقنا فهو اعرف واعلم بنا من أنفسنا واسمع قوله تعالى في سورة الملك: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14].

فكم هم الذين انكبوا على الدنيا يجمعونها خوفا من الفقر فأورثهم الله الخوف من الفقر وجعل خوفهم عقابا لهم وكان سببا لهلاكهم وماتوا وهم يبكون عليها متشبثين بترابها وحجارتها وصدفها المزينة, ماتوا وهم يقبضون على المعادن الفانية مثل الذهب والفضة وباقي المجوهرات التي غدت ثمينة ولها خزاناتها وحراسها وشهاداتها التي تثبت جودتها وسعرها وهي ليست إلا حجارة من حجار الأرض الفانية والتي سيبقى في قلبها كل ما خرج منها.

في رحلة البحث عن ألذات أو الهوية الشخصية يكرر الإنسان نفس الأخطاء التي وقع فيها من سبقوه ورحلوا عن الدنيا وتركوا له مكانهم فهذه سنة الحياة, فما الذي يجعل الإنسان يقع في هذا التكرار ولا يتعظ بمن سبقه ويعيد التجربة في نفسه رغم انه يعلم انه يسير في الطريق الخاسرة والاتجاه الخطأ, أينما تسير تجد أثار من سبقونا من الأمم ومن أثارهم نستطيع أن نحكم عليهم أنهم كانوا أقوى منا أبدانا وأطول منا أعمارا وهذا جلي بدليل أثارهم الشاهدة لهم وعليهم.

 (وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ ) 45 سورة إبراهيم.

كل هذه الشواهد لا تكفي يوم يكون الظلم والعند وحب الدنيا يملئ القلوب ويطغى على النفوس وكأن الإنسان مخلد في الدنيا, فهل القبر والموت يكفي ونحن نرى كيف الموت يتخطف غيرنا وبالقرب منا ويدخل بيوتنا ويأخذ منا إبائنا ومن وقع القول عليهم وانتهت أعمارهم وقد يكونوا اصغر منا واصح أبدانا منا, فأين هو الخلود والبقاء وهل هذا يعني الهروب من القدر ومحاولة عيش الدنيا بكل ثوانيها ودقائقها وكأنها غنيمة:

( وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ ) 44 سورة إبراهيم.

 كانوا يظنون أنهم مخلدون وما لهم من زوال إلا أنهم زالوا وتركوا مساكنهم وأثارهم وغدا سنكون لغيرنا أثارا وذكريات وسنترك لهم مساكننا, والشقي من لم يبني له مسكنا في الآخرة وتنازل عنه ليكون من الخالدين في نار جهنم وما نفعته الدنيا ولا ما جمعه فيها على حساب الآخرة.

 

في رحلة البحث عن ألذات أو الهوية الشخصية يشكل الإنسان جزء من الأحياء والمقيمين مؤقتا فوق الأرض وهو عضو من هذه العائلة الكبيرة المسجونة على هذا الكوكب وتعيش رحلة الاختبار التي حددها الخالق إلا إن الإنسان مكلف كفرد وليس عضو في جماعة وانه سيحاسب على كتابه وعمله الذي عمله في الدنيا, وهذا يعني أن الإنسان البالغ والعاقل مكلف ويملك الحرية المطلقة في اختيار الطريق وليس للجماعة ذنب في اختياره المخالف لفطرته وما بلغه من الرسالة التي أرسلت له وقد عرف منها انه سيحاسب كفرد على أفعاله, وهذا يعني انه يملك الإرادة الكاملة وليس مكره على الاختيار وعليه أن يهب لينقذ نفسه ولن ينقذه غيره ولن يحاسب عنه احد.

ما هو الجديد في الحياة لتكون مغرية لهذه الدرجة التي تجعل سكانها يتقاتلون عليها بحثا عن الجاه والسلطان الزائل حتى تصل بهم للاقتتال وإشعال الحروب إلى درجة تصل إلى سفك الدماء والفساد في الأرض والله سبحانه وتعالى قد حذرهم وانذرهم في قوله تعالى: (ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ (56) سورة الأعراف,

 

في رحلة البحث عن ألذات أو الهوية الشخصية على الإنسان أن يحمل الدليل لهذه الحياة كما يحمل الزائر دليله والغريب كذلك وألا سيتوه في مداخلها ولا يعلم كيف سيخرج منها وسيتعثر في اغلب خطواته وسيقع في أخطاء يعرفها وسمع عنها, فما هو الدليل الصحيح القويم الذي يمكن للإنسان أن يستدل به ويسير على هديه ويصل إلى عنوانه الذي يبحث عنه, إن الدليل هو كتاب الله ألعلي العظيم وسنة نبيه الكريم الذي ما زاغ عنها احد من البشر إلا كان من الهالكين, أما العنوان الذي يجدر بالإنسان أن يبحث عنه هو رضا الله واغتنام الفرصة التي أعطيت له ليكون من الفائزين برحمة ربه ورضاه فهو ربه الذي خلقه وسن له القانون الذي عليه أن يمتثل له فكما جاء في موطإ الإمام مالك وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم يهما كتاب الله وسنة نبيه). ومن اختار دليلا على كتاب الله فلا دليل له واتبع هواه بل هو يناقض فطرته فهو ليس سوى مخلوق لا يملك من أمره شيء والدليل انه لم يختار متى يدخل إلى الحياة وأين ولا حتى اسمه أو لونه أو صورته, فكيف للإنسان أن يتطاول على ربه الذي خلقه وصوره ويختار دليلا على دليل ربه والله يقول: (يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ (8) سورة الإنفطار, إن الله اعلم بالإنسان من نفسه ويعلم ما هو الخير والفلاح الذي ينفعه!

 

في رحلة البحث عن ألذات أو الهوية الشخصية يعيش الإنسان أشبه بطائر البطريق الذي يعلم انه طائر ولا يستطيع أن يطير, في العربية يسمى مالك الحزين فهو محروم من الطيران والتحليق في سمائه ومكبل بقوة مغناطيسية وأجهزته لا تحتمل الضغط خارج مداره ولا أن يفارق هذا الكوكب, مالك الحزين يدرس الكواكب الأخرى ويدرس كتب الطب القديمة والحديث ولا يتوقف في البحث عن ماء الحياة والخلود, انتقل من العلاج والبحث عن الشفاء للأمراض إلى فكرة البقاء طويلا واستبدال أعضاء في بدنه واستنساخ أعضاء من أعضائه, وجد الإنسان متعته وقوته وقدرته في التقدم العلمي إلا انه لم يفك رمز الموت والفناء في الأرض, كل أفكاره انتحرت واصطدمت بحاجز الموت المكتوب عليه قول الله الكريم: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (28) سورة الرحمن, أَيْ فَبِأَيِّ الْآلَاء يَا مَعْشَر الثَّقَلَيْنِ مِنْ الْإِنْس الْجِنّ تُكَذِّبَانِ ؟

الخطاب موجه للثقلين القاطنين على الأرض والذين لا محيص لهم من الامتثال لأمره فقد أحصاهم وعدهم عدا ولا خروج لهم من هذا الكوكب ولا نهاية لهم غير ما كتب عليهم ربهم الذي خلقهم.

من هنا نضع النقاط المفقودة فوق حروفها لتكتمل بعض المفاهيم التي قد تساعد الإنسان في رحلة البحث التي يدور فيها حول نفسه بحثا عن هويته التي يعرفها فعلاماتها واضحة جلية كفلق الصبح ونور الشمس التي تسبح بحمد ربها كباقي المخلوقات التي سخرها الله عز وجل لهذا الإنسان وتحمل ختم الواحد الأحد الخالق بلا شريك ولا معين وخلق الخلق رحمة منه فهو رب الكرم والجود الذي خلقنا وعرفنا عليه وأرسل لنا رسله وكتبه.

 

2011 babalhekmah.org All Rights Reserved