﴿ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة:216]

من عرف نفسه عرف الله!
كتابات في باب الحكمة وخطوات في أثر الغريب

رسائل في الابتلاء
تأليف العبد الفقير إلى الله
علي أرشيد فلاح الموالي الحميدان السردي

مراجعة وتقديم
فضيلة الشيخ الدكتور إبراهيم عافية
دكتوراة الدولة في الدراسات اليهودية والنصرانية ومقارنة الأديان


الفصل الأول
رسائل في الابتلاء
الرسالة الأولى:

 

 


أيها المسكين الذي يشتكي البلاء؛ سل نفسك هل أكلت اليوم؟ وأين نمت البارحة؟ وهل حمدت ربك الذي أحياك بعدما أماتك، وكانت روحك معلقة لأمره ولم تكن تعلم هل سيرسلها أم سيمسكها؟
وها هو أرسلها؛ فماذا كان شكرك له؟ أن تخرج لتشتكي الخالق لمن خلق؟ وأنه يجوعك ويعاقبك ويهملك!! فماذا نفعوك يا مسكين؟ وبماذا كافئوك وهم أفقر منك، ومع ذلك تقول في نفسك إنك تعرف الله؟ فكيف تعرفه وأنت تشكوه لخلقه؟ وهو الذي أطعمك وآواك، وأعطاك فرصة جديدة في هذا اليوم، لتتوب إليه وتحمده وتشكره، وتغتنم هذا اليوم لعله يكون آخر أيام عملك لآخرتك فينفعك؛ لأن الأعمال بخواتيمها، فماذا كانت ختمتك يوم أمس؟ وبماذا ستختم اليوم؟
أيها المسكين، إنك لا ترى سوى الحاضر، وهو أمس للغد، وقد يأتي الغد من دونك، ولا تجد حتى من يذكرك، فأين بصيرتك من الأمس الذي كنت فيه تبذِّر في خير الله الذي رزقك إياه لأجل معلوم؟ ألا تعلم أن الأرزاق تقسم بقدر، ألا تقرأ قوله تعال:
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ العنكبوت: ٦٢]؛ فماذا فعلت بهذا القدر وأنت تتكلم عن الحكمة؟ أما علمت أن الأرزاق تقسم إلى آجالها، ثم تنفقها ببذخ قبل انتهاء الأجل، ومن ثم تبحث في الناس عمن يقرضك؟
سبحان الله في حكمته وتقديره؛ فهل تعلمت من سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات؟ فماذا لو أفنيتها في عام واحد، عندها تنتظر ذاك العام الذي فيه يغاث الناس وفيه يعصرون، وتدعي بذلك أنك من أهل القرآن، فهل وقفت عند هذه الآيات من قبل، وتدبرت الحكمة فيها؟ وهل مررت بقوله سبحانه:
وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [ يوسف: ٢١]؛ فهل تريد أن تطوع السماء لرغباتك؟ أم تعتقد أن هناك ملائكة يبكون من سماع صوت بكائك، أفلا تقرأ قوله تعالى: فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ [ الدخان: ٢٩]؟ وهل تظن أن من السهولة أن تصل الإجابة كلما دعوت؟ ولكن اعلم أن من رحمة الله أنه لا يضيع دعاء عبد من عباده، ولكن يأجله إلى قدر معلوم؛ فإن استوفى حقه أجابك، وإن تأخر عليك بالإجابة فتعلم أسباب التأخير، فهم يدرسون كتبك، وبالحكمة ينظرون متى يكون وقت الفرج خير لك.
أيها الإنسان الذي يبكي الفقر وهو ضعيف النفس وفقير العلم، كان حريٌ أن تشغل لسانك بالذكر والشكر بدلًا عن الشكوى والهلع والبكاء على الدنيا، فكيف لو أبكمك، ولم تملك أن تنطق اسمه، فكيف لو أخذ سمعك وبصرك وأصبحت أسوأ ممن قال فيهم:
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ۚ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [ البقرة: ١٧١].
ما عرفت نعمة البصر، ولا عرفت أن اللسان للذكر والشكر، وليس للثرثرة وكثرة الكلام عن نفسك، أنسيت قول ربك:
وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا [ طه: ١٢٤ - ١٢٥].
سبحان الله على من يعرفون نعمة الله وينكرونها، وتكون يومًا حجة عليهم، ثم يسألون وكأن الحجة معهم: لماذا حشرنا الله عميًّا وصمًا وبكمًا، في يوم عظيم لا أبلغ من قوله تعالى في وصفه:
هَٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ (35) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (36) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (37) هَٰذَا يَوْمُ الْفَصْلِ ۖ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (38) فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (39) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (40) [ المرسلات: ٣٥ - ٤٠].
يا من تقول إنك تعرف الله، وتؤمن بأنه ربك وخالقك، وعجبًا تشتكي الفقر والذل!! فكيف لمؤمن ألا يعلم أن الابتلاء رحمة من الله، وأن أشد الناس بلاءً هم الأنبياء عليهم صلوات الله، فهل سألت نفسك لماذا يبتليهم وهم المصطفين الأخيار من خلقه؟ وأنهم من أشرف وأعظم ما في الحياة أن يكونوا رسل ربهم لخلقه، ويبلغوا رسالته، فأي شهادة بعد شهادة الله، ألم تقرأ في سير الأنبياء وابتلاءاتهم التي ابتلاهم بها ربهم؟ فإذا قلت إنك تعرفهم وتعرف قصصهم، فماذا استفدت من دروس ابتلاء الأنبياء؟ وبماذا تسمي ابتلاءهم؛ عقابٌ هو أم اختبارٌ أم محبة؟ أليس الأنبياء قدوتنا ورسلنا الذين آمنا بهم؟ فلماذا إذن لا يكون في ابتلائهم عبرة لنا؟ فإن كنت تعيش على منهاج النبوة، وكان مثلك الأعلى نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، فلماذا لا يكون مثلك أيضًا في الابتلاء والصبر؟
أم تعتقد أن ابتلاءك ظلم وفي غير مكانه؟ فماذا يريد الله منك غير الخير لنفسك؟ وهل ابتلاؤك ينفع الله أم ما يمنعه عنك يزيد في خزائنه شيئًا؟ أم ما سيعطيك سينقص من خزائنه شيء؟ إذا كانت الدنيا كما ذكر في الحديث لا تساوي عند الله مثل جناح بعوضة، فلماذا يمنعها عنك وعن باقي خلقه؟ فماذا تزيده أنت أو تنقصه، سبحانه فهو الغني عنك وعن عباده أجمعين.
فهل عرفت أنواع الابتلاء وأسبابه؟ وهل سألت نفسك لماذا يمنع الله عنك؟ وهل سألت نفسك ماذا قدمت ليعطيك، وهل قمت بكل واجباتك لدفع البلاء عنك؟ فماذا لو أراد الله -وهو الفعال لما يريد- أن يختبر إيمانك بهذا الابتلاء وأنت تقول عن نفسك إنك مؤمن؟
ماذا لو أراد ربك أن يكفر عنك ولم يجد لك صدقة واحدة ولا زكاة عندما كنت تنعم بخيره، ماذا ترد عليه لو قال لك إنك قد أكلت الحق المعلوم الذي فرضه لعباده في مالك، وآثرت به نفسك يوم أعطاك، وتقول إنك مؤمن، فهل المؤمن لا يخرج حق الله المعلوم فيما رزقه، وهو القائل سبحانه: وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [ الذاريات: ١٩]. وهل تملك القدرة إذا عاد وفتح عليك باب الخير أن تخرج هذا الحق المعلوم عن محبة دون أن تمن على عباده، فتكون ممن صدق فيهم:
يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) [ الإنسان: ٧ - ٩]. فهل ستطعم على حبه وتخرج زكاتك وصدقاتك بدون إكراه، وتبتغي بها وجهه الكريم؟
وهل كنت تعيش في حي للأغنياء، لا يسكنه من الفقراء إلا أنت، ولم تقابل مساكين ولا محتاجين ولا يتامى؟ أما علمت أن الله سبحانه وتعالى عدل في قسمته؛ فكما جعل فقراء في حي من الأحياء أو قرية من القرى، جعل فيها أغنياء أيضًا، وجعل رزق الفقراء في ذلك الحي أو تلك القرية عندهم ليتكافلوا بينهم، وأن بهم تكسب الحسنات بالصدقة، والزكاة، وقضاء حوائج المحتاجين، فإن منعوها منع الله عنهم الغيث والمطر، وابتلاهم بأشد مما ابتلى به الفقراء، فكان غناهم وبالًا وحجة عليهم!!
أم أنت ممن يقولون:
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ [ يس: ٤٧]؟ فإن فعلت ذلك تشبهت بالكافرين، لأن هذا قولهم في المساكين والمحتاجين، فافتخروا بأموالهم، وأحلوها لهم خالصة، وأنه ليس للفقراء فيها نصيب، وزعموا بجهلهم وكفرهم أن فقر الفقراء عقاب من الله لهم، ولذلك لم يشاء الله أن يطعمهم كما زعموا، ونسوا قول الله تعالى: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11) إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا (12) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13) [ الليل: ٨ - ١٣]، فالله غني عنهم وعن العالمين.
وإن من لم يتقدم لكسب هذه الحسنة بالصدقة على الفقراء؛ أوجد الله لها بابًا آخر لمن يستحقها. فإن خولك الله يومًا نعمة فاحرص على حق الفقراء والمساكين وذوي القربى واليتامى وابن السبيل والمبتلون من عباد الله، فتفرج كربتهم وتعينهم على قضاء حوائجهم، واقرأ ما جاء في الحديث القدسي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:
(يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَكَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ، فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي؟ وَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي؟ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا اسْتَطْعَمَكَ فَلَمْ تُطْعِمْهُ؟ أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي)( ).
فاسأل نفسك أيها المسكين؛ هل لك كتاب زكاة وصدقة؟ أم لا تعرف أن لكل عمل كتاب، وأولها كتاب الصلاة الذي يجمع جميع صلواتك المفروضة والواجبة والنافلة، وبها مذكور صلواتك لكل يوم وليلة من أيامك التي عشتها، بعد أن وضع قلمك، وانفتح كتابك، وراحت تكتب الملائكة المرافقة لك حتى يوم موتك وانقطاع عملك إلا من ثلاثة، كما
روى أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ)( )، فهم يكتبون في كتابك صلاتك بوضوئها وشروطها ووقتها، وهل صلاها منفردًا أم في جماعة.
فاسأل نفسك واقرأ كتاب زكاتك، وما كتبت فيه وقدمت لنفسك، فإن كان كتابك فقيرًا؛ فأنت الذي أفقرت نفسك، لأن الله قبل أن يرزقك ويأمر بتغيير أحوالك ينظر في كتبك، ومنها كتاب زكاتك. أولا تعلم يا مسكين أن الصدقة لا تنقص من مال، فكيف نقص مالك وتلاشى؟ وإن كنت مريضًا تشتكي المرض والسقم، فلماذا لم تكن الصدقة لك دواء اليوم، أما علمت قول رسولك عليه الصلاة والسلام:
(تَصَدَّقُوا وَدَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ، فَإِنَّ الصَّدَقَةَ تَدْفَعُ عَنِ الْأَعْرَاضِ وَالْأَمْراضِ، وَهِيَ زِيَادَةٌ فِي أَعْمَالِكُمْ وَحَسَناتِكُمْ)( ). وإن كنت تشتكي الفقر، فكيف يفقرك الله وأنت تؤدي واجبك، وتخرج زكاتك، والله لا ينقض عهدًا ولا يخلف وعدا؟ فإن كنت أديت زكاتك بحق، فاعلم أن ابتلاءك من نوع آخر، وقد يكون القصور في كتاب صلاتك، أو صومك، أو حجك، أو مما أراد الله بك، فهو الفعال لما يريد، فابحث في ملفاتك!!
هذا؛ وإن لم يكن ابتلاءك محبة أو تكفير ذنوب أو اختبار إيمان أو إتمام لما نقص من عملك؛ فانظر إن كان هناك في السماء دعوة مرفوعة ضدك، مثل دعوة مظلوم له حق عليك لم تؤده، أو تسببت في آذاه، وحينها عليك أن تبحث في كتاب معاملاتك الذي هو مكتوب فيه عملك المرتبط بمعاملاتك مع خلق الله، وأولهم والديك؛ لأن من شروط التوبة النصوح إن كان هناك حق لأحد من خلق الله أن ترده، فإن لم يكن مالًا بل كان شيئًا معنويًّا، فعليك أن تصحح خطئك بأن تنصفه وتستميحه، وتسأل الله أن يحللك من الظلم الذي ظلمته.
واعلم أن أصعب دعوة على الإنسان هي دعوة والديه عليه أو أحد منهما، فانظر إن كنت قد أحسنت إليهما أو قصرت بحقهما، واسأل نفسك هل أكلا بعدك أم قبلك، أو ناما بعدك أم قبلك، وهما اللذان قضيا عمرهما يأكلا من بعدك، ويناما بعد نومك. فهل كسوتهما خيرًا مما كسوك؟ وأطعمتهما خيرًا مما أطعماك؟
اسأل نفسك يا مسكين فقد تكون من الذين يدخلون بيوتهم سرًا حتى لا يعلم والديه ما أحضر لزوجته وأولاده، ويأكل في الليل سرًا حتى لا يسمعانه، وفي اليوم الثاني يرمي بالفضلات بعيدًا. إياك أن تكون منهم، فهؤلاء هم الأشقياء أهل الفقر والعيش النكد، وليس لهم إلا ما أكلوا وأفنوا، فكن لوالديك خير مما كانوا، وخفف عليهم الحمل حتى وإن عليك قد ثقلا، فإن لم يكن لك تجارة مع الله فهم تجارتك، وأذكر كم كنت ثقيلًا عليهم فكانوا يفرحون لفرحك، ويبكون لبكائك، فلا تشعرهم بضعفهم، وضعف عودهم وقلة حيلتهم، فهم بركة أراد الله بها أن تكسب الحسنات الثقال، فعاملهم بأفضل مما تتمنى أن يعاملك به أبنائك، في يوم تتفرق فيه أسنانك، وينحني به عودك، ويقصر فيه نظرك، ويشيب به رأسك، وتمشي على ثلاثة بعد أن كنت تمشي على اثنين، وتصير إلى ما صاروا إليه، ويردون إليك الكرة.
إياك أن ترفع صوتك فوق صوتهما؛ فإن أحسنت إليهما أحسن الله إليك، وإن أسأت لهم فإنما تسيء على نفسك، والله لا يظلم أحدا. أما إن أكرمتهما؛ فأبشر بخير ودعوة تصحبك العمر كله، تكون حماية لك ورحمة عند ربك.
والدعوة الثانية بعد دعاء الوالدين، هي دعوة المظلوم. لذا فاعلم أيها المسكين أنك إن ظلمت أحدًا من خلق الله -لقدرة قدرك الله إياها- فإن الله هو خصمك، وسيأخذ حق هذا المظلوم منك في الدنيا قبل الآخرة، فلا يغرنك المنصب ولا القوة ولا الجاه؛ فكلها لا تساوي عند الله شيئًا إن لم تكن في رضا الله، مؤديًّا حقه عليك فيما ابتلاك به، وخولك من نعمة، فكان حقًا أن تشكر الله على هذه النعمة أنك توليت مكانة تقيم بها العدل والحق في الأرض. أما إذا اتخذتها سندا ورحت تظلم عباد الله وخلقه فاعلم أن سندك ضعيف وقدرتك ستزول وابتلائك سيحل من حيث لا تدري فإذا أنت يوما ودعوة المظلوم بين عينيك ترتجي ربك أن يرحمك في صحتك أو في أحب أبنائك أو في أمانة لم تصنها واليوم يقيمون محكمتك.
إياك ودعوة المظلوم وأكل الحقوق والعبث في قانون الله العدل الذي وضعه لعباده فلا يبغي أحد على أحد بغير حق، فقلد أوصانا المولي عز وجل في الظلم كما جاء على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام:
(يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَّالَمُوا، يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا الَّذِي أَغْفِرُ الذُّنُوبَ وَلَا أُبَالِي)( )، صدق الله رب العدل والحق، وخاب كل جبار عنيد اعتز بقوته وراح يعيث في الأرض فسادا، وإن الله لناصر عبده المظلوم، فهو القائل: (بِعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ)( ).
فما أصعب هذا القول رغم أنه سند وبشرى وحماية للمظلوم، وتعهد من الله برد المظالم وإعادة الحقوق حين يقول ولو بعد حين، ما أصعبها لأن الوقت الذي يختاره الله أحكم الحاكمين لا نعلم معناه، وهو وحده سبحانه يعلم لماذا بعد حين، فمن كرمه أنه لا ينزل العقاب أثناء الدعاء، ولو كان لرأينا كيف يسقط الناس صرعى في الطرقات، ولرأينا شهبا تسقط من السماء على بيوت أناس ظالمين فتحرقها.
ألا إنها رحمة الله الذي يعطي الظالم فرصة للعودة والتوبة ورد المظالم فإن لم يفعل عاقبه بحكمته، وما أصعبها لو أراد الله أن يعاقب ظالما بأن زاده قوة وجبروت، وهذا ما لا نفهمه، فهو الذي يمد للكافرين مدا حتى يحسبون أنهم على حق فهل هم يمكرون بالله وهو خالقهم.
أما إن أراد بهذا الإنسان رحمة لخير وأمل يراه الله في هذا العبد أنزل الابتلاء به وعجله له ليأخذ للمظلوم حقه، ويعترف بذنبه، فكم هم الذين انقلبت عليهم الدنيا في ساعات وضاقت عليهم الدنيا بما رحبت؛ لأنهم لم يفهموا رسائل الله لهم المليئة بالإحسان والتذكير، فوقع القول عليهم بالابتلاء، ومن لم يأت الله بملاطفات الإحسان سيق إليه مكبلًا بسلاسل الابتلاء.
فإياك يا مسكين ودعوة المظلوم؛ فإنها مصيبة كبرى لا يقدم عليها إلا جاهل والجاهل كما عرفنا هو عدو لنفسهن فلا يعلم مع من وقع وتحدى، فإن نامت عين الظالم طويلا فعين الله لا تنام وساهرة مع عين المظلوم، فالله سبحانه وتعالى هو دفاع المظلوم ووكيله، فمن يجرأ على تحدي الله العزيز الجبار، ويعتدي على أحد من خلقه دون وجه حق ويظلمه إلا إنسان جاهل لا يعرف المقامات.
فبادر إلى رد الحقوق لأصحابها، وكن قويًا عليها، واسأل الله أن يحللك منها ومما سببت لهم بسبب منعك لحقهم الذي كان لهم وقد غيرت كميته أو أفنيته أو أجلت دفعه أو سلبته منهم بشاهد زور، وانظر لو كنت قد أوقعت بمحتاج ليشهد زورا لتأكل حق إخوانك أو عمالك أو جارك، كيف ستتحلل منها، لأنه لا فرق بينك وبين شاهد الزور فأنت الذي أحضرته وأشهدته زورا فأنتم في الكبيرة والحرام سواء.
فإن أكلت حق أحد من خلق الله واستعملت شاهد زور، فأنت أخرجته عن دينه وقبل أن يشهد محتاجا وأصبح صاحب كبيرة من الكبائر، فكبيرته أولا في صحيفتك، والثانية والله لا أعلم كم ستبتلى ليحللك الله من جمع هاتين الكبيرتين معا. وتشتكي الفقر يا مسكين، فوالله إن الفقر نعمة من الله إن كانت ستكفر عنك ذنوبا قد جمعتها وقد حان سدادها، فانظر كتاب أعمالك الذي قال فيه رب الحق والعدل:
اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء: ١٤]، وكما قال عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي خُطْبَتِهِ: (حاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْل أَنْ تُوزَنُوا، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الأَكْبَرِ، يَوْمَ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ)( ).
حاسب نفسك وانظر ماذا فعلت، ولا تتهم ربك بالظلم، فتقول يا رب ماذا فعلتُ حتى تفعل بي كذا وكذا وتبتليني؟ بل احمد الله أنه ابتلاك؛ لأنه يريد بك خير ويريد أيضا أن ينقذك من نفسك الأمارة بالسوء وطوعتك لما يغضب الله.
وعامل الله بأدب المؤمن الصالح الصابر المحتسب، واحرص في خطابك ودعائك، فلا تتفوه بكلمات تزيد ربك غضبا عليك، وارتقي بخطابك من مستوى العامة الجهلة الذين لا يعرفون ربهم، بل يعبدونه على حرف، فإن أصابتهم مصيبة ضجوا وهالوا على الله التهم، وذلك من عميق جهلهم وانحطاط نفوسهم، فهم عباد منفعة ومصالح لا يعبدون الله إلا على الرزق الكثير والصحة، فإن ابتلاهم أنكروا كل خير وانقلبوا على ربهم، أفهم يحكمون؟!!
واعلم أن أمر المؤمن كله خير إذا مسته سراء شكر وإذا مسته ضراء صبر، فهل أنت مؤمن وأين أنت من هذا الحديث الذي يعطينا صفة من صفات المؤمنين فهل أنت من الذين يصبرون عند الضراء، فإن صبرت فزت بصفة من صفات المؤمنين وكان صبرك أجرا كبيرا، وإن لم تصبر فقد خسرت صفة كبيرة قد تفقدك معها باقي الصفات وهذا يعني أنك قد تفقد إيمانك، فماذا ينفع الإنسان إن فقد إيمانه من أجل متاع دنيوي زائل، فماذا سيقولون عنك في السماء، سيقولون انظر إلى هذا كفر بربه وأضاع إيمانه من أجل متاع زائل، فمن صبر له الصبر والأجر ومن صخب وضجر فما له إلا الضجر، وتذكر قول نبي عليه الصلاة والسلام:
(عَجَباً لأمْرِ المُؤمنِ إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خيرٌ ولَيسَ ذلِكَ لأَحَدٍ إلاَّ للمُؤْمِن: إنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكانَ خَيراً لَهُ، وإنْ أصَابَتْهُ ضرَاءُ صَبَرَ فَكانَ خَيْراً لَهُ)( ).
وبعد كل هذا يا مسكين، تقول إنك مؤمن، وأنت تعامل الله بصفات الكافرين الرافضين لعدل الله، وما بقى أحدُ إلا اشتكيت له ماذا فعل بك ربك، لأن المشتكي للخلق إنما يشتكي ربه لخلقه!!.
لعلك بعد هذا المشوار في أنواع الابتلاء تعرفت على سبب ابتلائك، وعلمت أين كان قصورك، فلقد ذكرنا المحبة ومنها كان ابتلاء الرسل والأنبياء، وحق الله المعلوم فيما رزقنا من زكاة وصدقة وقضاء حاجة، وذكرنا دعوة الوالدين، وذكرنا دعوة المظلوم، وذكرنا اختبار الإيمان، قال تعالى:
أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ [العنكبوت: ٢].
فتعرف على نفسك جيدًا، وراجع كتبك كتابًا كتابًا، هذا إن كنت على استعداد لقبول الحق، أما إن كنت عنيدا مراوغا ماكرا؛ فلن ينفعك مكرك يا مسكين شيئا، وستبقى مغموسًا في الابتلاء، وأكبرها أنك مبتلى بالكبر، واعلم أن الله لا يحب المتكبرين. وهذا باب بمفرده، وهو باب أم المعاصي والذنوب، فمن تكبر على الحق تكبر على الله وظن أنه ماكر لدرجة أنه سيمكر بالله، فإن ما زلت على عندك وهمك كبريائك وكرامتك، فاذهب واعبد المسميات الفارغة، فإن قبول الحق شرف عظيم، وقوة يكتسبها الإنسان، يصبح بها عدلا مقيما للحق متصفًا بصفات ربه الحق العدل أحكم الحاكمين، فاسأل نفسك لماذا يسمي الله ربنا وخالقنا وهو الغني عنا نفسه بهذا الاسم العدل، بل هو الذي سمّى نفسه العدل والحق فهي صفات جليلة حميدة وكريمة، وأنت إن أصبحت عادلا تقبل الحق فهل هذا إنقاص من شأنك ومقامك وأي مقام يا مسكين وأنت ينتظرك الدود والظلمات، ألا تريد أن يكون قبرك روضة من رياض الجنة ويغمره نور الحق أم تريده حفرة من حفر النار فلا يغمره إلا الظلام والظلم والتكبر على الله وعباده.
وتقول يا مسكين إنك مؤمن وكنت تصلي، فأي صلاة كانت وما زلت عليها، صلاة العلماء أم صلاة العابدين الذين لا يعلمون ماذا قالوا في صلاتهم ولم تخشع نفوسهم لحضرة ربهم، ولم تحضر قلوبهم، بل كانوا غائبين سارحين في هموم الدنيا وطبخوا وأكلوا وباعوا واشتروا في صلاتهم. هل تدري كم ركعة صليت؟ وأي سورة في كل ركعة قرأت؟ أم كم من الوقت قضيت، فلا ركعت ولا سجدت بل نقرت وسلمت وها أنت تهم في الوقوف وتقول إنك صليت؟
هل صليت في جماعة وانتظرت الصلاة بعد الصلاة أم كتبت اسمك في وادي ويل الذي تشتهر به جهنم أعد للذين هم عن صلاتهم ساهون، وتقول إنك صليت فهل اتصلت بربك وهل زادك هذا الاتصال اليومي به من خلال هذه القناة التي اختارها لخير الاتصال به شيئا، أم قمت ببعض الحركات وتحسب أنك يا مسكين صليت.
إن أردت أن تعرف أنك صليت فأعرض صلاتك على ربك وعلى نبيك الكريم، فالله يقول:
اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت: ٤٥]، فهل نهتك صلاتك عن الفحشاء والمنكر؟ هذا هو اختبار الصلاة لمعرفة أنها مقبولة أم لا إنها إن كانت خالصة لله بلا رياء ولا نفاق وكانت بخشوع وحضور قلب وتقدير مقام للمصلى له وهو الله، وكانت كما قال المصطفى عليه الصلاة والسلام: (صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)( )، فإنها لابد أن تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر فإذا نهتك إذًا هي شهادة تقول إن صلاتك مقبولة.
وهل هناك أكرم من أن تقبل صلاتك وترضي ربك وتنفع نفسك وتقول بعدها يا مسكين إنك صليت؟ فإن قلت أنك صليت وصمت وزكوت وحججت وأديت واجباتك وأكرمت والديك ولم تظلم أحدا من خلق الله، وتأتي بعدها لتسأل لماذا يبتليك الله؟ يكون الجواب أنك لا صليت ولا صمت ولا زكوت ولا حججت ولم تكرم والديك، وأنك ما زلت تظلم خلق الله، لأن من يفعل الأعمال التي ذكرناها بأفضل ما يجب أن تعمل يرزق الحكمة والحكمة هي أم العلوم والخير فلا يشتكي ربه، ولا يذكر ذلك لخلقه، بل هو يحمل أجوبته في قلبه ولا يفضح نفسه، بل هو حكيم يعرف أن الإيمان باب كبير لا يدخل منه أحد بمجموعة من الحركات والأعمال الصغيرة.
وتقول إنك مؤمن فكيف لا يعلم المؤمن أسباب الابتلاء ولا يجد في قلبه الجواب، وكما ذكرنا في حق الله علينا في نعمه التي أنعم بها علينا ومنها النطق واللسان، فاسأل نفسك ماذا كانت زكاة لسانك ونطقك اليوم من الذكر والشكر للرب الذي أنطقك؟ وما زلت تقول يا مسكين جهلًا إنك مؤمن، وأنت لا تعلم أن علينا زكاة يومية عن كل نعمة أنعم الله بها علينا، فاسأل نفسك فيما استخدمت نعم الله عليك اليوم، وماذا كانت زكاة نظرك اليوم وزكاة سمعك هل زكيت السمع بسماع الأغاني والموسيقى أم بالقرآن وذكر الرحمن؟ وتقول يا مسكين جهلا إنك مؤمن، فهل زكيت بصرك بالنظر للمحرمات وقدميك للسير للمحرمات ولسانك بالثرثرة وكثرة الكلام والشكوى للناس أن الله يظلمك ويبتليك وأنت لم تفعل شيئا؟
راجع كتبك يا مسكين وحاسب نفسك وتعلم ما هو الإيمان والحق بنفسك قبل فوات الأوان، ولا تجعل الدنيا أكبر همك ولا مبلغ علمك، وتذكر نعم الله عليك واعمل لشكره على كل نعمة ولا تنسبها لنفسك ولا لغيرك بل خالصة لله وحده حتى لا تشرك بربك أحدا بجهلك وقله علمك، وتخلص من حولك إلى حوله ومن ضعفك إلى قوته ومن جهلك إلى علمه ومن بخلك إلى كرمه.
ولا تنسى أن دينك الإسلام، وأنك مسلما ولا تملك في ذلك لا حولًا منك ولا قوة، فكم هم الذين حرموا هذه النعمة وهم يملكون كنوز الأرض فماتوا فقراء ورحلوا بكفرهم وشركهم، وأنت مسلم تشتكي الله لخلقه وتقول أنك مؤمن وأنت تعلم أن الإيمان درجة تتلوا الإسلام وتسبق الإحسان، فهل توقفت عند الإسلام وعرفت قيمة هذه النعمة قبل أن تتفوه بما لا تعلم وتقول أنك مؤمن.
اسأل نفسك يا مسكين هل أسلمت لله من بعد كفر وشرك أم ولدت مسلما في بيت مسلم، هل بحثت ونقبت وولدت في بيت كتابي أو مجوسي وتوصلت بعد جهد وتوفيق من الله للإسلام فدخلت فيه؟ هل تعلم كم عليك من الواجبات لتبلغ عن ربك وعن نبيك لأنك ولدت مسلما تتكلم بلغة القرآن، وجعلت من بين أمة جعلها الله وسطا لتكون شاهدة على الناس، فبماذا ستشهد يا مسكين وأنت لم تعرف دينك ولا واجباتك وتقول يا مسكين أنك مسلم مؤمن؟
أم أنت ممن لا يعرف من الإسلام إلا لعن الكفار والتكبر عليهم، فهل سألت نفسك كم كافر أسلم على يديك؟ وكم مسلم ضال عاد واهتدى على يديك؟ فإن كنت من المستهلكين الذين لا يعرفون معنى الإسلام، ولا معنى أن تكون مسلما، إذًا فابك على نفسك فوق بكائك على فقرك، وابق هناك اشتكي الله للناس على ما ابتلاك ودعك من تكرار أنك مسلم مؤمن، وابحث عن باقي المبتلين أمثالك فكل يحمل همه الكبير، هذا يشتكي الفقر وهذا الهم والحزن وذاك الوسواس والشك واكتبوا مظالمكم تشتكون فيها ربكم على ما ابتلاكم وقدموها للناس لعلهم ينصفوكم.
وبعد هذه الرحلة في عميق مفهوم الابتلاء ما هو فهمك للإيمان يا مسكين، أن تعيش حياة دنيوية مرغدا ومرفها وبهذا يكون الله يحبك وقبل إيمانك، وفي الآخرة تنتظرك القصور والحور العين فهل هذا هو معنى الإيمان بالنسبة لك، يا مسكين هل عرفت مؤمنا غير مبتلى ولا مصاب، وهل تظن أن الخير الوفير والصحة والعافية من صفات المؤمنين، اعلم يا مسكين أن من عاش مرغدا ولم يشتك الفقر والمرض مشكوك في إيمانه لأنه إن قال لك أنه من الشاكرين المحسنين والقائمين بدين الله، وأن هذا العيش الرغد الذي يعيشه من حلال الله وانه يؤدي حقوق الله، فهذا متروك لأمر الله ليرى إيمانه في الفقر والسقم وقد يبتلى في أي ساعة يشاء الله ليرى إيمانه وصبره واحتسابه في الشدة.
فخذ الموازين بالقسط كما وضعها الله عدلا وأصلح عيوب دينك وإيمانك، فإن فعلت كان خيرا لنفسك فليس هناك نعمة أفضل من الإيمان وعبادة الله على بصيرة، عبادة المؤمنين الذين يقبلون الشر كما يقبلون الخير والشدة كما في الرخاء فهذه معرفه الله الحق في أن نعرفه في الرخاء ليعرفنا في الشدة، واعلم أن لكل أجل كتاب وما أن تكون قد وفيت الحساب ووصلتك رسالة الابتلاء وفهمت معناها واستقمت تكون حينها علمت معنى ابتلائك فكان خير جزاء لك بأن كفر الله عنك وعلمك وفتح عينيك على قصورك ومظالمك.
تكون حينها قد خطوت خطوة جديدة باتجاه ربك وتقدمت بها مرتبه أعلى مما كنت عليه وازددت علما ينفعك، وحسن معها إدارتك وتعلمت الحقوق والواجبات التي عليك في كل ما أنعم الله عليك به فلا تغفل عن باقي النعم بنقصان واحدة منها، ولا منكرا لها جميعها بنقصان واحدة منها.
فإن فعلت وصلت وأحسنت لنفسك وخجلت من جهلك يوم كنت تشتكي الله لخلقه وأن الله لا يريد بك إلا الخير، ومن الخير أنه ابتلاك لتنعم بما وصلت إليه وتقرأ رسالة الابتلاء الذي كنت فيه، فتقرأها بعين الحق فيفرح قلبك وتهدأ سريرتك وتزول غمتك وهذه أول علامات الفرج.
إن المرض والابتلاء رحمة للمتقين وذل للجبارين وتذكير للغافلين، فبه تكفر الذنوب وتغسل به القلوب وتصلح به العيوب وبه يختبر إيمان العابدين، فما من مؤمن رضي بأمر الله فيما ابتلاه فصبر وحمد وشكر واستغفر إلا أدرك حكمة الله فيما ابتلاه، فمرض اليوم شفاعة الغد التي سيتمنى فيها الصحيح أن لو كان سقيما لما سيراه حين الوقوف بين يدين الله للحساب.
يومها فقط يفرح من حرم من نعمة البصر في الدنيا ويحشر أعمى من كان فيها بصيرا، ويسمع من لم يكن يسمع فسبحان القائل:
وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِهِ ۖ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ۖ مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا [الإسراء: ٩٧]، إن الفرق كبير بين مؤمن صابر محتسب وبين عاص رافض لأوامر الله خسر الدنيا والآخرة، فمن ضنك العيش في الدنيا إلى ظلمة الحشر في الآخرة وهذه رسالة الله للمبتلين أن من عصى أمر الله لم يكن سعيدا بل لم يكن يتلذذ العيش في الدنيا كما يرى الآخرين في ظاهر الأمر، فكم من العُصاة قد عاشوا الرعب وهجرهم النوم ولم تعنهم كل حراساتهم ولا أجهزة الحماية ليناموا ولو ساعة واحدة قريري العين بل إن نامت عيونهم لم تنم قلوبهم فالخوف لا يَأْمَنُ إلا بالعدل والطاعة والأيمان، وهذا وعد الله العادل في حكمه بقوله تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ (126) [طه: ١٢٤ ١٢٦].
 

الرسالة الثانية:


يا مسكين تدعي الإيمان وأنت لم يكتمل حتى إسلامك فأيها يسبق في الترتيب الإسلام أم الإيمان، وهل يدخل الناس إلى الجامعة قبل المدرسة، فابق في مدرستك حتى تكُمل علمك وحينها تنال شرف الدراسة في الجامعة، فالإيمان جامعة تجمع أركان الإيمان كلها وأنت ما زلت بعيدا عنها تشتكي الفقر والمرض لغير الذي ابتلاك، بل تشتكيه لهم فأي جامعة تقبلك لتعطيك شهادة الإيمان، ومن هو شيخك ومعلمك إن كنت لا تعرف شيئا عن نبيك، بل ويذكرونه في حضورك ولا تصلي عليه صلوات ربي عليه، والله يقول:
إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦]، أين قلبك الذي هو محل الإيمان فكيف غاب عنك ذكره والصلاة عليه، وهذا يعطس أمامك فلا تشمته فأي مسلم أنت، وتدخل غافلا بيت الخلاء بيمينك وتأكل بشمالك ولا ترى طول أظافرك فماذا يعني لك الإيمان وأنت لم تأت بألف الإسلام ولا بائها فأين أنت من باقي حروفها.
لا شيخ لك ولا معلمٍ فهل لك وردٌ يومي وهل سمعت بأذكار الصباح والمساء، أما تعلم يا مسكين أن الله لا يعبأ بنا لولا دعائنا فماذا دعوت الله وهل توقفت عن الدعاء لأنك استعجلته ولم يستجيب دعائك، وهل تعتقد أن ما قالوا لك إنه دعاء مستجاب يصنع المعجزات وينزل البركات بعد أن تدعو به، يا مسكين لو كان كذلك لدعوا به الكفار وازداد به الأغنياء، إلا أنه لا يستجاب إلا للصالحين العابدين الذي قدموا لهذا اليوم، فعبادة الله لا تبنى على الدعاء بل على أن يقوم المسلم المؤمن بواجباته فلا يأكل إلا من الحلال،
وهل سمعت بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم للصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص حين سأله يا رسول الله ادع لي أن أكون مستجاب الدعوة فقال له: يا سعد أطب مطعمك، فهل أطبت مأكلك وهل غاب عنك هذا الحديث لرسول الهدى عليه الصلاة والسلام: إن الرجل مطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام ويرفع يديه إلى السماء فأنى يستجاب له، وتقول يا مسكين إنك مسلم.
تقول إنك مؤمن وأنت إذا تكلم الجهلة الخائضون وخضت معهم فأفتيت بغير علم أن هذا حلال وهذا حراما لتقول إنك تعلم وأنت لا تعلم أنك تلقي الكلمات لا تبالي لها بالا فتكون قد وضعت قدميك في النار، فإن كنا قد أمرنا أن نمر باللغو كراما فكيف تهين نفسك لتجلس ولتخوض فيما ليس لك به علم، وما هذا إلا لقلة فهمك وضعف إسلامك فلا تتكلم عن الإيمان، ليس لك شيخا تقتدي به ولا عالما تنتفع من علمه وتخدمه أو تتابع وصاياه، أم أنت من الذين يتكلمون في أهل العلم فيهيلون عليهم التهم وأنهم يعسرون ولا ييسرون وتقول إنها مثاليات لا تصلح لك ولجيلك، فإن فعلت فقد أنكرت نبيك عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام رضوان الله عليهم وممن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين الذين نقلوا لنا العلوم وإلا فكيف وصلت إلينا.
ولقد أنكر الله على من يحللون ويحرمون بأهوائهم فقال تعالى:
قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ۖ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (59) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (60) [يونس: ٥٩ ٦٠]، ويقول تعالى: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (117) [النحل: ١١٦ ١١٧].
يا مسكين لا أنت من أهل الدنيا ولا من أهل الآخرة، حيران بين أصحابك أصحاب الدنيا وبين أهل الحق الذين أوصانا ربنا فيهم فقال:
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف: ٢٨]، نعم إن أمرهم فرطا لأنهم اتبعوا هواهم فأغفل الله قلوبهم عن ذكره، ومن أغفل الله قلوبهم عن ذكره فلقد أعد لهم نارا أحاط بهم سرادقها وإن استغاثوا أغيثوا بماء يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا، فأي رفقة وأي خلان اخترت لآخرتك ألا تعلم أن المرء يحشر على دين خليله، فعليك أن تختار بين الكفر والإيمان وذاك قوله: وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا [الكهف: ٢٩]، وهذا دليل أنه لا اختيار ولا يمكن الجمع بينها فإما إيمانا صادقا وإما كفرا بواحا، ومن تركها معلقة فإنما يمكر بنفسه ولا يظلم ربك أحدا، وتقول يا مسكين إنك تعرف الإيمان وقد أسلمت ولست بحاجة لأحد أن يعلمك فأعرض نفسك على هذه الآيات وصنف نفسك من أي حزب أنت من بينها، وأعرضها على كتاب ربك الذي خلقك فسواك فعدلك واقرأ الجواب بنفسك قبل أن تتكبر على العلم والعلماء، واعترف أن دينك هش وبه خلط فلا تشتكي الابتلاء وأنت ما زلت تدرس في الصفوف الأولى وتعاود كل صفوف المراحل الدراسية ولم تنهي دراستك بعد فلا تقل إنك دخلت الجامعة لأن الجامعة ليس فيها مقاعد فارغة لفقراء العلم، وبابها مكتوب عليه ممنوع دخول الجهلاء، وتقول إنك مؤمن.
أقبل على الله بقلبك وحاول أن تقدره ولو شيئا من قدره لأننا ما قدرنا الله حق قدره ولا عبدناه حق عبادته ولولا رحمته لكانت أعمالنا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءا، فشمر للعمل وأدرك ما فاتك من عمرك الذي ستسأل عنه فيما قضيته، وعن بدنك فيما أعملته، أفي طاعة الله أم في معصيته، وما زلت تبكي على الدنيا الفانية وعلى متاعها الزائل، فماذا أفرق أكل الأمس عن اليوم أما علمت أن الطعام هو لإعانة البدن على طاعة الله وليس للسمنة والتخمة، اسأل نفسك كم يزيد وزنك عن حقك واعلم أن ما زاد في وزنك كان طعام غيرك فأين تذهب به وكيف ستقابل به ربك وأنت بهذه الدهون، وانظر إلى من برزت عظامهم من الجوع والفقر واعلم أن ما زاد في وزنك كان أولى أن تنقذ به حياتهم فهم مخلوقات الله، قَالَ عُمَرُ رضي الله عنه:
(ايُّهَا النَّاسُ، إِيَّاكُمْ وَالْبِطْنَةَ مِنَ الطَّعَامِ، فَإِنَّهَا مَكْسَلَةٌ عَنِ الصَّلاةِ، مُفْسِدَةٌ لِلْجَسَدِ، مُوَرِّثَةٌ لِلسَّقَمِ، وًَانَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُبْغِضُ الْحَبْرَ السَّمِينَ، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِالْقَصْدِ فِي قُوتِكُمْ، فَإِنَّهُ ًادْنَى مِنَ الإِصْلاحِ، وًَابْعَدُ مِنَ السَّرَفِ، وًَاقْوَى عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَإِنَّهُ لَنْ يَهْلِكَ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْثَرَ شَهْوَتَهُ عَلَى دِينِهِ).
فلا عجب إن أكلت بدون اسم الله وهل تعرف ماذا تعني أن تسم الله وتأكل بيمينك وتأكل مما يليك وإذا فرغت قلت الحمد لله الذي أطعمني إياه من غير لا حول مني ولا قوة، وهل تعلم أنه ما أكل بدون اسم الله كان ميتة كما الذبيحة تذبح على غير اسم الله فلا تقول إنك نسيت فالذي يعلم فضل ربه عليه يذكره عند إكرامه بهذه النعمة التي حرم منها الكثيرين، وتقول إنك مؤمن مسلم فكيف تأكل بدون ذكر اسم الله، فمن ذكر شكر وحمد ربه على هذه النعمة، تأكل من أمام الناس وتقول إنك مسلم وتأكل بشمالك فهل تعلم أن الشيطان يأكل بشماله، يا مسكين وتقول إنك مسلم، فأي مسلم ينسى شكر الله على النعمة ولا يتخلص من حوله إلى حول الله ومن ضعفه إلى قوة الله فلا يمدح نفسه ولا يذكر ما أطعم وما قدم بل ينسب الفضل كله إلى ربه، أم أنك من أهل ولائم الشر وضيوفك هم الأغنياء فإذا بهم يوما شرا عليك، أما علمت يا مسكين أن خير الولائم ما دعي لها الفقراء وشر الولائم ما دعي لها الأغنياء، فهل تريد رزق الله لتزيد به سمنة الأغنياء، وتترك أحباب الله الفقراء يتضورون جوعا لأنهم لا ينفعونك في الدنيا ويُنزلون من مستواك الاجتماعي، وتقول إنك مؤمن فأي مؤمن لا يدخل بيته إلا الأغنياء.
وتقول إنك مسلم فأي حكمة تعلمت من رمضان ونحن نتساوى في الجوع فقراء وأغنياء فلا تشفع للأغنياء أموالهم فكان الصيام خير وسيلة ليجربوا الجوع فيفهموا حال الفقراء ويخرجوا زكاتهم، ويصوموا ويرحموا أبدانهم وألسنتهم.
هل أتعبك الحديث عن الفقراء وموائدهم المباركة وحقهم المعلوم في مال الأغنياء فلا عجب إن أفقرتك موائد الأغنياء وافتخارك بمن حضرها فهل نفعوك يا مسكين بعد خسرانك لمالك، فهل تظنهم يذكرونك أو يعينونك وأنت اليوم ليس من ثوبهم، أما علمت أنهم يجتمعون اليوم في بيت مسكين مثلك وغدا يتركونه عظما فيصير من ثوبك، هذا حال أهل الدنيا يا من تدّعي الإيمان ولا تعلم أن البشر إن خرجوا على قانون ربهم وضعوا قانونهم وصنفوا أنفسهم بناءً على أرقام حساباتهم وجاههم الدنيوي وشهاداتهم، ولا يعلمون أن أكرم الناس عند الله أتقاهم، فهل من يبذر ما رزقه الله على الأغنياء تقيّ، بل هو شقيّ من أسرفَ رزق الله وقال مالي وهو ليس له من مالهِ إلا ما أنفقه في سبيل الله، فإِن سألت الله أن يرزُقك فاسألهُ أن يُعطيك معه القُدرة على الإِنفاق في سبيله، واسألهُ أن يعينك كي لا تنفقه على ما يغضبه من المحرمات، فكم هم الذين كُرماء في الحرام وبُخلاء في الحلال، بل لتجد أن أحدهُم عنده القدرة على أن يُنفق في ليلة واحدة ما يمكن له ان يُطعم به مئة عائلة فقيرة، ولا يقوى على أن يعطي درهما واحدا لفقير، فهل تريد أن تكون منهم يا مسكين، فاولائك من حرموا من الاجر او كره الله صدقاتهم، ام تريد ان تكون ممن يتبعون صدقاتهم بالمن والاذى، اقرا قول الله فيهم فهو الغني عنهم سبحانه وتعالى وهو القائل:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [البقرة: ٢٦٤].
لقد عرفت يومًا قومًا همهم العثور على الكنز، أفنوا عمرًا في البحث عنه وكل له خرائطه وأدواته ويتداولون بينهم حكايات الكنوز ومن وجدها وكيف تغيرت أحوالهم، بل يدّعون أن لكل كنز حراس وهم يتفاخرون أنهم يعرفون أسمائهم وكيف يصرفونهم، وكانوا يدعوني لأشاركهم البحث علّي أن أنال نصيبا من كنوزهم، وكنت أقول يا ليت قومي يعلمون أين هو الكنز، لقد مر عمرا وهم يبحثون عنه وكنت قد رحلت إلى المهجر لأسعى وعدت إليهم فوجدتهم كما تركتهم ما زالوا يبحثون، فقلت إنهم يبحثون عن كنز الفقر الذي يسرق العمر بحثا عن متاع الدنيا الزائل، وتركوا أكبر الكنوز التي تغني في الدنيا والآخرة كتاب الله كنز الكنوز الذي هجروه أقواما فهجرهم الله وهجرهم معه الخير فما نالوا إلا ما أكلوا وشربوا وحلموا.
أحلام مشروعة لأهل الفقر فالبيوت التي لا يتلى فيها القرآن بيوت فقيرة حتى لو كانت جدرانها من ذهب وفضة، يا مسكين وتقول إنك مؤمن فهل أنت منهم تبحث عن الكنز في المخلفات وتبكي على الدنيا الفانية التي ستهلكك كما أهكلت أمم من قبلك عاشوا أيامهم فرحا ولهوا بما نالوا منها من النفايات الفانية، اقرأ تاريخ الجبابرة والملوك الذين أهلكهم الله فالقرآن خير شاهدا على نهايتهم، قال تعالى:
وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا [الفرقان: ٣٠].
فأين أنت من كنز المثاني السبع والكرسي والبقرة ويس وباقي مجوهرات الكنز العظيمة، أين أنت منه يوم نزل إلي السماء الدنيا من اللوح المحفوظ، أين أنت من الليلة المباركة التي أنزل فيها ليلة القدر فكانت عبادتها خير من ألف شهر، قال تعالى:
إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ [الدخان: ٣]، واستمع يا مسكين مع أول من استمع للقرآن حين أنزل على الأرض فأشرقت بنور ربها فكانوا الجن من أول المستمعين لهذا الكنز العظيم الذي أنزل إلى الأرض لينقذ أهلها من الجهل والضلال ويعطيهم مفاتيح الخير والرحمة والنعيم الدائم فكان سببا لهم في الدنيا لينعموا بنعيم الله ويدخلون في ولايته وحمايته، فكان لهم خير معيل وشفاء لما في الصدور، قال تعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا [الجن: ١].
آما زلت تبحث عن الكنز يا مسكين بين النفايات فأين أنت يوم يرفع القرآن من الأرض فلا يبقى حينها إلا الفقر والجهل والضلال فتكون الساعة على أبوابها وقد اكتملت أشراطها، فاقرأ بقلبك وتدبر قوله أفلا يتدبرون القرآن ولا تهجر هذا الكنز العظيم فيهجرك الخير، واجعل لنفسك نصيبا منه في كل يوم وليلة فذاك ما غنمت وادخرت لنفسك أفلا تعلم أنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه فهل أنت من أصحابه الذين سيقال لهم اقرأ وارتقي.
اسأل نفسك يا مسكين كم في قلبك منه وكم تعلم من أحكامه أم أنت ممن لا يملئون قلوبهم إلا من علم الدنيا الزائل ومن النكات الغبية التي بتداولها الجهلاء فلا يضحكون إلا على الفقراء والأغبياء أمثالهم.
إذا أحببت شاعرا حفظت أشعاره، وإن كنت من أهل المعازف والطرب حفظت ألحانهم فكنت منهم وليس من أهل القرآن، فأولئك هم من تغنوا بالقرآن، ألا تعلم يا مسكين أن هناك حديث للحبيب عليه الصلاة والسلام يقول:
(لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ)( )، وأنت تدندن وتغني لشيطانك لتطربه كلمات البشر فماذا لو مت وكان آخر كلامك ما كان على لسانك يا مسكين ألا تعلم قوله من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة، وتقول إنك مؤمن فمن أولى بأن نتغنى بكلامه رب الشعراء أم الشعراء المخلوقين والذين يقولون ما لا يفعلون وفي كل وادي يهيمون.
وتقول يا مسكين إنك تحب الله حقا وأنت تردد ألحان الشياطين وكلام الشعراء على حساب كلامه، أما علمت قول الله أن الله لا يحب إلا من اتبع نبيه وذاك قوله:
قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [آل عمران: ٣١]، فليست المسألة أن تحب الله بل أن يحبك الله ورسوله فماذا فعلت لنفسك ليحبوك هل أنت اتبعت نبيك.
ألا تعلم أن القرآن نور، وتنور به القبور وتكسب به الأجور فيكون لهم يوم القيامة نورا فهو القائل:
يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [الحديد: ١٢]. فيا حسن حظهم من جاءوا أمام الخلائق ونورهم يسعى بين أيديهم يوم يكون ظلاما دامسا على أهل المعصية، ويا حسرة على من حرم هذا النور وهو ما زال على قيد الحياة وذاك قوله: وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ ۖ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ [فاطر: ٢٢]، فاحيا بنور ربك، واغتنم ما فاتك قبل أن تكون مع الأموات، ويغلق كتابك وتندم على فقر أفعالك.
فاقرأ كتابك وانظر إلى فقر أعمالك قبل أن تسأل ربك بجهلك لماذا لا تعطيني، فهو الذي يسأل ولا يسأل واسأله بقوله وأما السائل فلا تنهر لعله يرحم ضعفك إن وقفت عند بابه مع المتسولين المتذللين الذين خلعوا ثوب الكبر ووقفوا هناك على باب ملك الملوك يدعونه لعلمهم أنه لا يرزق غيره ولا يعز ولا يذل غيره، وأحسن سؤالك ولا تكن الدنيا أكبر همك بل اسأله العفو والعافية والمغفرة، اسأله الآخرة قبل الدنيا وأن يجعل قلبك معلق بالآخرة واسأله الجنة وما قرب إليها من قول وعمل واستعذ به من النار وما قرب إليها من قول وعمل، وارتقي في سؤالك وأقدم بلباس الذل فهو عز لك أن تكون قد أدركت أن الله ينظر إلى قلبك قبل عملك وسؤالك، فإن وجد في نفسك شيء من الكبر أعطاك لأنه كره سماع صوتك، وإن منعك فاعلم لأنه أحب أن يسمع صوتك وأرادك أن تكون مع الجموع الباكين المتذللين القائمين ليلهم راجين رحمة ربهم، لا يرفعون رؤوسهم وعيونهم ساجدين لعظمته فقد حضرت قلوبك وخشعت نفوسهم ونالوا ما لم يناله الصابرين، فقد عرف كل منهم مكانه من باب الرحمن ويعلمون في كل ليلة أن مكانهم ينتظرهم وملائكة الله يذكرونهم فطوبى لهم ما نالوا من كرم الكريم فأين أنت يا مسكين منهم.
تقول إنك مؤمن وأنت تعمل عمل الذين منهم من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما، فهل هذا رد المعروف لمن فرج كربتك وقضى حاجتك في أن يسترد حقه بالتقسيط المذل أو بالمحاكم، ألا تعلم أنك إن فعلت قتلت المعروف في الأرض وحرم الناس من الأجر وأهملت الحوائج، ألا تعلم أن لله أناس اختارهم لقضاء حوائج الناس وأنت تبحث عنهم لتقتل الخير فيهم، فهل هذا جزاء الإحسان وهل هذا الذي تفعله من صفات المؤمنين الذين هم لأماناتهم ولعهدهم راعون، تخون الأمانة وتنقض العهد وتقول إنك مؤمن فهل هذا ردك لربك إن يسر لك عبد من عباده ليقضي حاجتك بعد بكائك وضيق حالك واليوم تبكي على بابه بواسع سؤالك ولا تنظر لسواد كتابك وقبح أعمالك، يا مسكين أنهم يقولون عنك في السماء أنك ليس لك عهدا وما عهدوا منك إلا كثرة سؤالك وتظلمك بأن السماء لا تستجيب دعائك.
رد الحقوق لأصحابها وأكرمهم مثل ما أكرمك الخالق وأعط الأجير أجره قبل أن يجف عرقه وليس دمعه ودمه ويموت أحد أبنائه فويل لك إن ظلمت أجيرك، فما جزائك إلا أن تصبح أجيرا عند ظالم مثلك فيفعل بك مثل ما فعلت بأجيرك لتعلم حينها أن الظالمين يسلطون على بعض، فاحرص أن لا تكون منهم فتغم ولا ينفع يومها اعتذارك، فبادر بالخير واقبل عليه كيوم أقبلت عليك السماء فأعطتك فسخرت لك أهل الخير والمعروف لتعلم قدرهم وتحيي عملهم وتكون منهم فلا تنكل بهم فيندمون على حسن أعمالهم.
يا مسكين تشتكي الفقر وتقول إنك مسلم، فأي مسلم يجلس ملعونا ويبيت ملعونا ودمه مغرق بأم الخبائث أربعين فوق أربعين يوم وليلة ولم ينظف دمك منها وأنت كالمهرج لا رادع لك فان عرضوا عليك كأسا منها حسبته هينا وهو عند الله عظيم، فكيف قدرت المخلوق على الخالق لتجامل أهل المنكر ويقولوا أنك صديق جميل، فأي صديق ينام أربعين يوما وليلة ولا تقبل له صلاة وقد لا تقبل أبدا فكم مرة كررت خبيث صنعتك وشربتها حتى الثمالة فأصبحت مهرجا تضحك على نفسك ويضحك عليك غيرك وتمدح كبيرهم الذي علمهم السكر فأين أنت من قوله:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2) [الحج: ١ ٢]، أما علمت يا مسكين أنك لو مت سكران فستجتمع عليك سكرات الموت وسكرات الدنيا الحمراء التي سكرتها من أجل أن يقضوا لك حاجتك، وتأتي اليوم بعريض دعائك وتقول ما للسماء لم تستجب دعائك ولم تعبئ بطول انتظارك.
وتقول يا مسكين إنك مسلم وما سلم أهلك ولا حتى جيرانك من لسانك، فأي مسلم أنت لا يعبئ برقيب ولا بعتيد فأصبح لسانه كسيف من حديد ويغمسه كل صباح ومساء في الصديد، صديد أهل النار فما بعده من صديد، فأمسك عليك لسانك فإن صنته صانك فكلك عورات وللناس ألسن فاستر ما ستر الله عليك وإن فضحك فذاك لطول لسانك، وتقول إنك مؤمن فهل آمن الجار بوائقك وشهد أهل الحي على طيب أفعالك، وهل شهدوا لك بحسن إسلامك واعتيادك المساجد وحسن سلامك، واجمع ما لك وما عليك قبل أن يجمعوها لك وإن كانت مثقال حبة من خردل أتى بها اللطيف الخبير، وعش كأن أربعينك قد أوشكت وأنهم قد جهزوا مرقدك، واتعظ بما جاءك في هذه الرسالة رسالة الابتلاء فإن أخذت بها جاءك بأمر الله الفرج وإن لم تتعظ فما وصلتك رسالتك.
 

الرسالة الثالثة:


يا مسكين أما زلت تنتظر الفرج، فإن لم يحصل فهذا يعني أن رسالتك لم تصلك، فالرسائل لا تقرأ بالعيون بل بالقلوب المنكسرة لخالقها لأنها لا تعلم ماذا سيفعل بها، فاسأل من خرجوا من الدنيا ماذا حملوا معهم غير أعمالهم، فقد هلك عنهم سلطانهم، وما أغنى عنهم مالهم وأنت ما زلت تقف على الأبواب تشتكي الفقر وتقول إنك مسلم، فهل قطعت عهدا أو نذرت نذرا أن يكون مال الله لله، فتكون خير من يتفقد عباده ولا ينسى من الفضل أحبابه، أما علمت أن لله أحباب لو أكرمتهم أكرمك وإن قطعتهم قطعك ولم تغن عنه شيئا، أما علمت قوله إذا رأيت مبتلى بعاهة ماذا تقول، وذلك كما عند الترمذي من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ رَأَى مُبْتَلًى فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ الْبَلَاءُ)( ).
فهل علمت من الذي ابتلاهم وما الحكمة في ذلك، أنه هو الذي بيده أن يبتليك ويبتليني وكل خلقه أجمعين ولكنه فضلك لعلمه فهل كنت بقدر هذا التفضيل، فهل تعلم أن من أسباب ابتلائهم أنه أراد أن يختبرنا كيف سنعاملهم فهم أحبابه الذين أفاقوا على هذا الابتلاء ورضوا به وانتظروا منا أن نقوم على رعايتهم فلا نشعرهم بضعفهم وعجزهم ولا نشتكي طلبهم لنا واحتياجهم، ألا تعلم أنا سنسأل عنهم يوم نلاقي ربنا، أما علمت أن بإكرامهم يأتي الفرج، أما علمت أن أسباب الرزق جاءت في هذا الحديث الذي رواه أبويعلى بسنده عَنْ ًابِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ:
(مَهْلًا عَنِ اللهِ، مَهْلًا، فَإِنَّهُ لَوْلًا شُيُوخٌ رُكَّعٌ، وَشَبَابٌ خُشَّعٌ، وًَاطْفَالٌ رُضَّعٌ، وَبَهَائِمُ رُتَّعٌ لَصَبَّ عَلَيْكُمُ الْعَذَابَ صَبًّا)( )، فهل أفقت يا من تشتكي الفقر على نعمة الصحة التي أنت فيها أم ما زلت تبحر في عميق بحر جهلك كمركب بلا جهة ولا ربان، فليكن ربك ربانك والقرآن دليلك وبرهانك ومحمد عليه الصلاة والسلام نبيك ورسولك ومعلمك، واقرأ الدروس والعبر في كل عمل وأثر، ولا تدع الأشياء تمر من أمام حياتك بلا تدبر ولا تفكر، واقرأ رسالة الله العزيز الوهاب في الشر كما هي في الخير ففي كل رسالة علم وخبر، ففي كل ابتلاء رسالة وكل شيء عنده بحكمة وقدر، وكما جعل في كل حلال منفعة أيضا جعل في كل حرام شرا وضرر، فمن جاء بالحلال لم ينتظر طويلا على الأبواب وفهم رسالة ربه بأسرع ما يكون المسلم الكيس الفطن الحذر، ومن طال وقوفه على الأبواب فما عرف طريق الحلال أو ربما قد خالطه بشيء من الحرام فلينتظر، ومن رضي بالإنتظار فليتسلح بالصبر.
قد يطول انتظارك ولكنك ستصل يوم تكره نفسك الحرام كما تكره الميتة ورائحتها، وتكون وقتها قد تلقيت أول رسائلك ووصلت حيث مفادها، فتكون خير ثروة لك وحينها فقط سترى الحياة بعين الحق فلا تقبل بأقل من الحلال، فالمؤمن نفسه عفيفة لا تقبل على المعصية كما تقبل الحيوانات المسعورة على الجيفة، بل يسأل الله أن يكفيه بحلاله عن حرامه فلا يحتاج معها ليغلق نوافذه ولا العيش متخفيا كاللص يخاف الناس ويستحي منهم ولا يستحي من الله وأين المفر.
يا مسكين ألا تعلم أن كره المعاصي من صفات المؤمنين وتقول إنك مؤمن، فأي مؤمن أنت ولا تعرف شيئا عن حديث النفس، فالمؤمن له رادع يردعه وحين تعرض عليه المعصية يدور صراع كبير بداخله، أقطابه الخير والشر فيسمع حديثا في نفسه بين الحق والباطل ويكون الخوف من الله هو رادعه، وأنت إن عرضت عليك المعصية هل هناك أعظم من أن يكون الله عونك فيعصمك ويكتبها لك حسنة بعد أن كانت سيئة، فأعظم الله في نفسك.
يا مسكين تتكلم كثيرا عن البحر وأنت لا تجيد السباحة وتقول إنك تعرف ما يوجد على الضفة الأخرى من البحر، وتصفه للناس من بطون الكتب ولم تتعلم السباحة بعد ولم تجهز مركبك فكيف ستعبره هل بالأحلام أم بالتفكير والنظر، وتقول لهم إن شاطئ الضفة الأخرى ليس فيه برد ولا حر، ولا موت ولا حزن وتردد للناس قوله إن فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، أتصف لهم جنة الخلد فكيف ينالها من أضاع الليل سهرا وسمر ونام قبل صلاة الفجر وأشرقت شمسه فأضاع صلاة الضحى بدخول صلاة الظهر، وتقول إنك تعرف البحر يا مسكين وأنت لم تذكر لهم مرة واحدة حر سقر.
اكتب بها لمن يعرف قدرها إن استطعت، وافتح بها تفتح لك أبواب على غير أهلها أقفلت، فإن أبصرت ما كتبت تكون قد وصلت وأفلحت، كم نصادف أناسًا في طريقنا ونجتمع معهم في محيطنا فلا تكن نسخة منهم وأنت تملك اسما ولك كتابا فاكتب فيه إن فهمت، وكن حيث لا ينتظروك ولا تسمع لما يمدحوك، واهرب من ضيق وكرهم وفقر ما عندهم وارحل بعيدا عنهم قبل أن يسلبوك حريتك ففضائهم ضيق وعلمهم فقير وتيقن أنهم لن ينفعوك.
واعلم أن من لم ينال الحظ والشرف ليكون مع المقربين فهو مع العامة، وتقول يا مسكين أنك تعرف الله وأنت ما زلت منهم فأين أنت من المقربين، ألا تعلم أن للملك مقربين وعلى موائده ينعمون، ولله الأسماء الحسنى فكم تعرف منها أم لا تعرف من الأسماء إلا الشعراء والمغنون الذين يضللون الناس ويبكونهم وبالوهم يتغنون، فخذ قلمك واكتب ما دام المداد وتوقف إن بدت لك العقد، وحرر فكرك منها واستمد بمداد يفك العقد، فهي في فكرك فتحرر منها قبل انتهاء الأمد، فلكل أجل كتاب فاغتنم كل نفس في الذكر ولا تعد، ودع العد لهم فهم الذين يحسبون ولا يخطئون وهم عبادا لله الذين لا يعصونه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
اسأل من سبقوك إن كانوا يستجيبون فهم من سكنت مساكنهم ولم تتعظ بأخبارهم فهم الذين ظلموا أنفسهم فليتهم ينطقون يا زائرا وغدا تصبح معهم فماذا أعددت ليوم تحدث أخبارها، هي أمنا التي ولدتنا وستشهد علينا ماذا فعلنا فلا يغرنك كثرة زوارها، وتزود بالتقوى غريبا ما أضاع العمر يبكي على حجارتها، ونور بيتك بالقيام يوم الخلائق تنام فوحشة الطريق وقله الزاد لها أذكارها، وأكرم الزائرين في ليلها فإن تنفس الصبح صاح الديك أين عمارها، فإن نامت عينك ولم ينم قلبك فقد أتتك أسرارها.
واحذر ممن ربهم لا يعبدون، ومن لا يعبد ربه يعبد نفسه وهم كثر عباد للدنيا وللدينار والدرهم، واحذر أن يغروك وإن أردت أن تعرفهم فعليك أن تعرف ما يتكلمون، فهم قوم للكلام يعشقون لأنهم لأنفسهم يعشقون، تتبع ما يقولون وإلى ما يرمون فسترى كيف يقدمون أنفسهم، وانظر إلى سندهم وبماذا يستشهدون، واقرأ ما يقولون فستجد في عميق قولهم أنهم يثرثرون وفي أنفسهم يتعبدون والكل يقول أنا وأنا دون أن يعلمون، واقرأ في لحن قولهم نفاقهم وزيفهم ولكل لحن فما أفقر سلعتهم وما يبيعون، فلا تكن معهم فهم الذين يأكلون خيره ويشكرون أنفسهم ويمدحون غيره، فدعهم للكبر الذي في صدورهم فليت الجهل لهم مرتبة ولكن لا يستحقون.
يا مسكين تتكلم عن الحبيب عليه الصلاة والسلام وأنت لا تعرفه، فهل تعرف ملكا جلس على التراب وجالس الفقراء، وحمل حاجه أهله، وخصف نعله، ورقع ثوبه، وكنس بيته، وحلب شاته، وقرب الطعام لضيفه، وتناوب ركوب الراحلة مع رفيقه، وجلس حيثما انتهى به المجلس، ولما رآه رجل ارتجف من هيبته فقال:
(هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ)( )، فهذه قطرات من فيض تواضعه صلى الله عليه وسلم.
وهل رأيت غنيًّا يداعب الأطفال ويواسي المستضعفين ويعطف على المساكين ويصل رحمه فهل تريد أن تتبعهم وتسلك دربهم وتبحر بعيدا عمن وصفه ربه:
وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤].
واعلم أن من خاف الله خاف منه كل شيء ومن لم يخفه خاف من كل شيء، والخوف درجات فبشدة خوفك من الله ترتقي ومن سأل الأمن والأمان عند الله أمنه من كل شيء ومن ابتغاه عند غيره زرع في قلبه الخوف من كل شيء ومن ابتغى العزة عند الله فقد ألبسه ثوب العز ومن ابتغاه عند غيره ألبسه ثوب الذل، ومن هان الله عليه أهانه كل شيء.
هذا العالم غريب كغربة المسلمين بين الأمم فطوبى لمن كان منهم واغتنم، نخاف من المستقبل وكأننا نصنعه ونضع مخاوفنا بناءً على قواعد الدنيا ونظرياتها ونفتقر إلى معرفة الله وعلاقته بالمستقبل وبقدرنا لأننا لا نعرف قدر الله حق قدره، وننظر إلى الله أنه مصدر الطاقة الذي نستمد منه الأمل والإحساس بالأمان ونلجأ إليه عندما تشتد علينا الصعاب ونعود لنثق بقدراتنا ونعود لنقع ونفشل ونكرر العمل لنعود إلى الله ليعيننا وكل هذا دليل على أننا لم نزل في أول الطريق وقد نبقى العمر في أول الطريق وقد ندرك أننا مجرد مسلمين ونحاول أن نكون مميزين ببعض الإختلاف عن الغير.
عيلنا أن نفهم أن الخوف من أي شيء هو سر وسبب ليقربنا إلى الله ليقوي ضعفنا في هذا الشيء، ودليل على افتقارنا إلى الله وعدم كمالنا، ولأن من عظيم رحمته أنه ترك أغلب احتياجاتنا بيده لنبقى فقيرين إليه ولا نذهب بعيدا عن باب عونه، ولأنه من عظيم حكمته أنه يعلم أننا لو أعطينا أغلب حوائجنا لكنا ابتعدنا عنه ووثقنا بأنفسنا وقدراتنا.
كم هو رحيم بنا رغم غناه عنا وعن دعائنا وقربنا منه، ولكن هيهات أن نعبد الله على هذا المفهوم وأن ننظر إلى عميق حكمته ورحمته وكيف أنه يريد بنا خيرا حتى عندما يكون الخوف هو الأنفع لنا أو أن يكون الخير أنفع لنا فهو الحكيم العليم بخلقه وبسر وضعف كل عبد من عباده، فهذا لا يعرف الله إلا بالخوف وهذا بالكرم وهذا بالمرض وذاك بالفقر، أنه أحكم الحاكمين الذي يعرف فروقنا وخصائصنا كل على حده وما يلائم كل منا، فلو أغنى الفقير لترك عبادة الله واستغنى عنه ولو أفقر الغني لكفر بربه ولو أشفى المريض لما عاد يدعوا الله، فيدع الجميع معلقين بالرجاء فيشفي المريض حين يدرك رحمة الله عليه، ويغني الفقير حين يعلم أن الغنى لن يكون وبالًا عليه، ويكرم الغني حين يعلم حق الفقراء عليه، ويفقره إن لم يفعل أو يزده فلا يعود إليه، وبهذا يعلم كل إنسان أن لله حكمة فيما منع عنه أو ابتلاه فيخاف الغني حينها من الفقر والسليم من المرض والفقير من أن يبقى فقيرا، فإن وصل إلى حيث أراد الله أمّنه من كل ما يخاف وذاك يعني أن هذا العبد عرف قدر الله وقدرته وأن كل شيء بيده فأزال الخوف من قلبه لأنه استبدله بالتوكل والأخذ بالأسباب ودخل في ولايته، وبهذا نفهم أن كل ما ينقصنا سر وعلامة ضعف بنا وفي مفهوم علاقتنا بالله وعدم إدراكنا لقدراته، فالسعي لا يعني إلا البحث عن الأسباب أسباب الحياة والعيش، ولكن إن وضعنا ثقتنا في هذا السعي مثل الوظيفة أو الشهادة أو المال أوكلنا الله لما وثقنا به وربما زادنا ليبعدنا وجعل معه الخوف أكبر في قلوبنا فلا نأمن لو ملكنا ما ملكنا ولا تطمئن قلوبنا مهما وصلنا.
المؤمن يعلم أن عبادة الله لا تبنى على الخوف وحده ولا على الطمع بزيادة بل على حق الله علينا كما هو حقنا عليه، بأنه ربنا الموجود في حياتنا ومهما اتسعت فهو دليل قلوبنا وربنا وعليه فإن حقه علينا أن نعبده لأنه الله الرب الخالق وأن الشوق إليه يجب أن يملأ قلوبنا لا أن نبكي على مخلفات الدنيا وحوائجها البالية، هو ربنا الذي سنعود إليه وتنتهي إليه حياتنا ونطمع بالجنة الحق والوعد الحق فلا تفصلنا الدنيا عن الآخرة فكل عمل ومال وصحة هو لإعانتنا لنعبد الله لليوم الذي سنقابله ونقف بين يديه.
الله أكبر من طقوس وعادات وكلام عن الدين وترديد بعض آيات وأحاديث، الله هذا الوجود فينا والحياة فينا والخلق فينا فأين كنا وأين سنكون، من عدم أوجدنا وخلقنا وأكرمنا فلا يكون اليوم التراث الذي ننتسب إليه لنفرق أنفسنا عن غيرنا ونحيي الأعياد والطقوس إحياءً لعاداتنا واعتيادنا.
المؤمن يقف عند نفسه وقلبه وروحه وسر وجوده لتصغر هذا الدنيا التي جعلوا منها كبيرة وهي حقيرة ليس فيها خيرا إلا ذكر الله، المؤمن من عبد الله باليقين لا بالشك والتخمين وصبر صبر الأنبياء مهما شككه الضعفاء وذكر قول الله:
أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة: ٢١٤]، ويقول: حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ [يوسف: ١١٠]، فلا يثنيه شدة الابتلاء ولا يقنط من رحمة السماء ووعده فنجي من نشاء.
فالمؤمن هو الحق والقوة واليقين الذي في قلبه فلا يطلع عليه إلا ربه فإن دخل على الظالم رآه ضعيفا والغني فقيرا والسليم سقيما فمن هم من دون الله، فأي مؤمن يعطي الأموات فوق قدرهم. فيشد رحاله إلى حقيقة الدنيا ومنتهاها مهما طال أجله فيعيش مع الناس بجسده فيكون غريبا بينهم ليس لهم منه إلا ما ينفعهم وينفعه ولا يرضى أن يسلبوه ويأخذوه إلى ما لا ينفعه، فإن يئس منهم هجرهم واكتفى شرهم.
فالمرأة إن وفقها الله بزوج صالح حمدت وشكرت ربها لأنه سيكون معينا لها في دينها على دنياها وكذلك الزوج لزوجته فإن قصرت في عبادة ربها سلبها ما حسبته قوة وأمنا فصار زوجها ضعيفا وعادت لخوفها، فإن قالت لماذا قلنا لها لأنك نقلت النسبة التي كنت تعبدين الله بها إلى زوجك فصار لك أشبه بربك وكذلك المال لمن قام الليل وبكى وصام ودعا وارتجى حين أعطي المال عبده فصار هذا المال ربه، ولو علمنا أن الزوج أو الزوجة أو المال أو البيت أو الصحة وكل نعمة أنعم الله علينا بها لتكون معينا لنا في عبادته فتزداد فينا طاعته ونزداد من فضله ومن رحمته، فإن سألناه إياها وأنعم علينا بها فعبدناها أوكلنا لها ففقدناها وعدنا إلى بابه بثوب الذل نشتكي ابتلاءاتنا ونحن الذين كتبناها.
تمت رسائل الابتلاء بحول الله وفضله

2011 babalhekmah.org All Rights Reserved